عندما يكون النضال عفوياً وصادقاً ..



حميد طولست
2013 / 4 / 26

عندما يكون النضال عفوياً وصادقاً ..
توطئة: النساء أعظم ما في حياة المجتمعات ، والمجتمع الذي لا يقيم وزنا لأعظم ما فيه ، لا يستحق البقاء ..
ـ الكثير من الأعمال الإنسانية العظيمة عبر التاريخ البشري ، الفنية منها أو الأدبية أو الدينية أو السياسية، كانت البداية فيها فكرة تفاعلت مع البيئة التي نشأت بيها، وتطورت مع الظروف المحيطة بها ، من مجرد فكرة إلى عمل عادي ، ومن مجرد عمل عادي إلى عمل عظيم ، يصير بعد التطبيق والتفاعل انجازاً ، وفي الكثير من الأحيان يتحول الإنجاز إلى رمز، لا يستطيع أي منا، مهما كان انتماؤه الأيديولوجي أو السياسي وحتى العقائدي ، إلا أن يفرح لأي عمل مثمر ، ويلاقيه بالترحاب والتشجيع والمساندة ، لأن إنصاف الجهود ، وإحقاق الحقوق ، وتقدير المجهودات المبذولة ، يوجب علينا أن نفخر بكل الانجازات الاجتماعية والسياسية والنقابية والثقافية والفنية ، التي يقدم عليها أي كان بصدق وتجرد ، والتي عرفتها مدينة فاس مؤخرا ، وتعرفها باقي جهات المملكة ، سواء منها التي أحيتها المؤسسات الرسمية ، أو تلك التي أقامتها جمعيات المجتمع المدني .. والتي يظل التقدير فيها مطلوبا، والشكر واجبا، والتكريم سلوكا متحضرا تحرص عليه المؤسسات الحكومية والجمعيات المدنية في البلدان التي تقدر مواطنيها، وتترجم ذاك التقدير بالاحتفاء والاهتمام بمن يستحق ، فتمنحهم الدروع التذكارية والشهادات التقديرية ، والهدايا الرمزية، والنقدية و حتى العينية، مصداقا لقوله تعالى في محكم كتابه الكريم (ولقد كرمنا بني آدم) وقال الإمام علي كرم الله وجهه "من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق" فلا أفضل من شكر المحسن على عمله ، لأن شكر الناس من شكر الله ، ومن أساليب الشكر والبر والتكريم ، ذكر الفضل لأهله ، الذين عملوا ويعملون على ايجاد الحلول والبدائل لقضايا المجتمع الأكثر التهابا وراهنية ، وعلى رأسها مناصرة المرأة ، باعتبار حمولته التاريخية والحالية الناتجة عن أوضاعها الاجتماعية الهشة المتشنجة ، وكل الذين يسعون إلى تنمية الوطن بالمفهوم الشامل والحقيقي للتنمية ، والذي لا يمكن أن تثمر نتائجها إلا من خلال تكريم الإنسان المنتمي الذي يشعر بانخراطه الكلي في قضايا وطنه ..
هذه المقدمة ، التي لابد منها ، والتي كانت ضرورية لإظهار القيمة الإنسانية المتسامية للتكريم الصادق النابع من الاعماق ، وما يمنحه من ألوان الدعم والتشجيع والمساندة غير المشروطة التي تليق بكل ناشط مجد ومتابر كما هو حال نشطا جمعية "نساء ورجال في خدمة المجتمع"، -التي أحيت ذلك اللقاء الجميل والمدهش بمدينة فاس ، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة – والذين وجب علينا ، الشد على أيدهم وتكريمهم في شخص رئيسة الجمعية ، المناضلة السياسية والنقابية والجمعوية السيد فطومة حلالي ، وذلك بتقريب القارئ الكريم من هذه المرأة التي احتلت بكل يسر وروية ، وبدون فوضى ولا قوة ، مكانة مميزة لا تنطفئ صورتها من النفوس والذّاكرة ، ولا تنسى بسهولة وسرعة ، لأنها من الناس الذين يُعجب بها الناس، دون مقدمات أو دعايات , وتسكن وجوههم ذاكرتهم، دون سبب معلوم وكأن تلك المكانة محجوزة مند زمن بعيد ..
كما أنها كانت (المقدمة) ضرورية كذلك لإطلاع المتتبع للحراك المجتمعي، على بعض جوانب أعمال هذه المرأة وإظهار بعض مراحل تطورها وقيمتها ورمزيتها، ونسلط الضوء على بعض أشكال وحجم ومستوى الفعل النضالي العفوي الذي خاضته وتخوضه ، بل والذي احترفته إلى جانب أشقائها الرجال ، الذين لا تقل عنهم نضالا ومواجهة وتصدي لجل اشكال القمع السياسي والنقابي والجمعوي ، بعفوية وأريحية مميزتين ، ودون أن يكون نضالها ناتج عن ردة فعل لتهميش أو حرمان ، وهي المنتمية للطبقة الوسطى من المجتمع ، والمتحررة من ربقة التقاليد المعيقة للعمل النضالي النسائي ، إلى جانب عشقها لخدمة الفئات الشعبية المقهورة، والتفاني في تغيير أوضاعها وتحقيق رقيها ، وإلحاقها بركب الأمم الكونية المتقدمة ، وخاصة المرأة التي تعيش تحت وطأة الاضطهاد والاستغلال ، الذي كرسته تراكمات الثقافة الذكورية السائدة ، التي تروم ابعادها عن المشاركة الفعلية لصناعة القرار ، وإبقائها في الزوايا الضيقة المعتمة وإعاقة تطلّعاتها إلى تغيير أوضاعها نحو ما يكفل لها الحق في الحياة ، ويضمن لها سبل العيش الكريم ، وتسعى إلى تقديم المعلومة وبناء جسور التفاهم بين الرجال والنساء لخلق بيئة سليمة للعيش المشترك الذي يضمن المساواة بينهما، ويساهم في بناء نشر الوعي في المجتمع، بعيدا عن الخوف و القهر، والذي لم تكن فطومة تقبل في سبيل تحقيقه، مساومة أو مهاودة ، ولم يكن لنضالها من أجله، حدود معينة ، أو زمن محدد ، يحل بحلول العيد وينتهي بانتهائه ، حيث ما كانت تؤمن بتأجيل نضال اليوم إلى الغد ، وتعتبر ذلك ، من ابتكارات العقول الكسولة ، ونتاجا لآلة التملص السياسي ، وأخلاقيات الهروب من المجهول ، ما صعب على المتتبع ، تحديد انشغالات المناضلة فطومة ، فما ان يطمئن إليها كمناضلة سياسية ، تروم الارتقاء بالمجتمع المغربي بشكل يكفل له الحق في الحياة وفق سبل العيش الكريم المعترف به شرعا وقانونا ، حتى يجد نفسه أمام فاعلة نقابية شرسة ، تناضل من أجل حقوق الطبقة الشغيلة المقهورة ، ثم يفاجأ بعدها بمناضلة جمعوية لا تقل نضالا عن أشقائها من الرجال ، بتصديها ومواجهتها الشرسة لكل اشكال القمع الذي تعرفه المرأة ، حيث تجد في كل مرة قضية للنضال من أجلها ، لا رغبة في الصدام والمشاكسة ، ولكن امتثالا لما تحمل من هموم الناس، وما رسمته لنفسها من مبادئ ، لا تحيد عن الدفاع عنها ، حتى أصبح اسمها متداولا في المحافل ، وباتت سيرتها أقرب إلى فيلم طويل يجد في كل مرة عقدة مشوقة تزيد أحداثه جاذبية ، فلا يكون نشاط جمعوي مدني أو سياسي أو نقابي نسائي أو رجالي ، إلا وتصدرت واجهته ، ولا يُنتهك حق من حقوق الناس ، إلا وتكون السباقة لحمل لواء الدفاع عنه حتى يعود إلى أهله ، إلى أن تحولت إلى رمز من رموز الدفاع عن المستضعفين وعلى رأسهم المرأة ، التي أظهرت ميلا مبكرا لمناصرة قضيتها ، منذ أن كانت في أولى مراحل نضالها السياسي والنقابي ، في صفوف حزب "الحركة" حيث انخرطت في منظماته النسائية ، ورفعت شعارات تحرير المرأة ، إلى أن تبوأت رئاسة "المنظمة النسائيى الحركية" لجهة فاس بولمان ، والتي انتقلت بعدها من مسارها السياسي إلى التفرغ لمسار العمل الجمعوي ، فأسست جمعيتها الفتية " نساء ورجال في خدمة المجتمع " التي تطرح من خلالها كل ما تعاني منه المرأة من قضايا ومشاكل ، والتي كانت نتائجها كبيرة جدا ، كما تشهد على ذلك الكثير من الوقائع .. وقبل الختام سألت السيدة فطومة عن تقيمها لأوضاع المرأة المغربية في الحراك الذي تعرفه البلاد ؟؟
فكان جوابها : إن الانخراط في تقييم أوضاع المرأة عامة والمغربية خاصة ، ليس بأمر الهين ، نظرا لحجم الإشكالات والتحديات المطروحة التي تشكل عائقا حقيقيا أمام أي تقييم موضوعي وحقيقي لأوضاع المرأة ، لتشعب طابعها وتفرقه بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والسيكولوجي .. ولكن مهما كانت ضخامة الإشكالات ، فلا يجب التغافل عن الخوض فيما تعيشه النساء من ظروف -لا يحسدن عليها - والتى لم تعرف ، إلى الآن ، أي بادرة جادة للتغير ، غير وصفات النكوص التي تسعى بها ، الذكورية الظلامية ، إلى كسر جناح المرأة ، وركنها في خانة اللافعل ، وجعلها محدودة القدرات ، تكافح الفقر والظلم بالصبر ، والحرمان والإقصاء بشقيه الاجتماعي والاقتصادي بالقنوط والاستسلام ..
ـ س: لا شك أن الحكومة الجديدة منبثقة من حزب بمرجعية إسلامية ، ومتشبعة بتعاليم الإسلام التي تحت على صيانة حقوق وكرامة المرأة ، فما هي الإجراءات الجديدة التي جاءت بها هذه الحكومة الإسلامية لصالح المرأة؟
ج: رغم أن الإسلام دين ثوري ومجدد ، استطاع انقاذ جحافل المستضعفين بما جاء به من قيم تجاوزت ما كان موجودا في عصوره الأولى ، إلا أن موج ما سمي بالربيع العربي ، قد رست ولو مرحليا على شاطئ قوى سياسية ذات مرجعيات دينية ماضوية ، لم تجد في جعبتها ما تقترحه لمواجهة قضايا المرأة ، في سياق هذا الحراك المتأجج ، غير إجراءات وقوانين مستوحات من أزمان قديمة كالحة ، والعادات البائسة ، والأفكار الظلامية ، التي من أبرز سماتها التاريخية المتأصلة ، الاستبداد المعطوف بالخوف من المرأة ، وكأنها "بوعوو" الذي سيعصف بامتيازاتهم التي يهلعون خوفاً عليها منها ، والتي لا يمكن تطبيقها بأي حال من الأحوال على نساء الألفية الثالثة مهما تم غسل أدمغتهن بشعارات مبطنة بالمقدس من أجل غايات ذكورية دنيوية تستغل هشاشة النساء ونقص وعيهن بشروطهن وبمؤهلاتهن وقدراتهن .. إذ كيف لحكومة توظف كل أنواع الاستبداد من السياسي إلى الفكري إلى العقائدي إلى الأبوي إلى الأخوي إلى العائلي إلى القبلي إلى العشائري إلى الاجتماعي ، لإقصاء كل الكفاءات النسائية التي يحبل بها المغرب ، والتقاعس عن النهوض بأوضاع المرأة المتأزمة ، وتحقيق مطالبها المتمحورة حول المساواة الحرية والعدالة والكرامة ، وباقي مبادئ وقيم الديمقراطية التي أهم الأسباب التي أدت بالأمم الأخرى لكي تصبح متقدمة ومزدهرة وقوية..
فكل المحبة لهذه المرأة وغيرها من المناضلات اللواتي أكدن بنضالاتهن المستميتة من اجل إسعاد الغير ، والعمل على التقدم والتطور والرقي والصعود بالأوضاع إلى العلا وصناعة المجد في زمن الشدة والقسوة ، ليقرن عيناً ، يهدأن بالاً ، لأنه مهما تكالبت الظروف ، فسوف تعرف المرأة كيف تخرج من شرنقة الاستبداد السياسي، وقبضة الطغاة الذين لا هم لهم في الغالب غير مصالحهم الضيقة ، ومصالح معاونيهم الأقربين ، على حساب حاجيات المرأة ، قوتها وصحتها وتعليمها وحتى كرامتها..
..
حميد طولست Hamidost@hotmail.com