إنّ غدًا لناظره قريب



آمال قرامي
2013 / 8 / 20

كثيرا ما تُوّجه لى أسئلة من قبيل: ما رأيك بالمرأة التونسية؟ هل حقّقت المرأة التونسيّة ثورتها؟ ما هى مخاوف المرأة التونسيّة بعد الثورة؟...أسئلة تستفزّنى لأنّها تختزل اختلافات النساء فى أنموذج يكرّس نسق التنميط، تلغى تعدّد الخبرات، لا تبصر تنوّع حيوات التونسيات، وتفتح المجال أمام فئة لتكون الناطقة نيابة عن جميع التونسيات، وأن تحتكر حقّ تمثيلهن.

ولئن عملت السياسات السابقة على تجذير هذا التوجّه من خلال احتكار الدولة حقّ التعبير عن إرادة التونسيات فإنّ الثورة مكّنت الأصوات المغمورة أو المقهورة من أن تمتلك حق الكلام. قد تنطق عن الهوى، قد تهذى، قد لا تعى ما يترتّب عن قولها من انعكاسات خطيرة ولكنّها فى النهاية، تتفاعل إيجابا أو سلبا، تفعل، تنتج ، تخلق ، تبتكر، تبحث عن موقع، تتعلّم وتختبر الواقع وتسجّل حضورها على الركح الاجتماعى أو السياسى أو الثقافى.

اخترقت فئة من التونسيات كافة المجالات بما فيها عالم السياسة: عالم يصرّ أغلب السياسيين والإعلاميين على أن يكون ذكوريّا بامتياز، ومع ذلك أثبتت التجربة التى مررنا بها خلال المسار الانتقالى وجود نساء لهن قول فى السياسة وينحتن فى الصخر من أجل أن يتحوّلن إلى مرئيات ويتمّ الاعتراف بقدراتهن. من قال إنّ النساء كائنات لا سياسية «بالطبيعة»؟


كسرت فئة من التونسيات الأقفال وصار لهن قول فى الدين، فكّكن النصوص وأبرزن المسكوت عنه، وفضحن المستور والخلفيات والنوايا... وقاومن تجّار الدين وفضحن مأسسة الجهل، واختطاف الإسلام و«وهبنة» المجتمع. من قال إنّ النساء عوّالات على رجال الدين يستهلكن ولا ينتجن؟

قاومت فئة من التونسيات مظاهر النكوص ومحاولات الحدّ من طموحاتهن والرغبة فى تقرير مصيرهن نيابة عنهن، وتشكيل صورهن وفق منظور يختزل المرأة فى «وعاء للمتعة والإنجاب»، ويرى أنّ الأمومة أشرف دور للمرأة فى الحياة، وأنّ من مميّزات المرأة الصالحة طاعة الزوج وتربية العيال. فعاينّا خلال مرحلة ما بعد الثورة، خروج التونسيات إلى الشوارع تعبيرا عن غضبهن، ومخاوفهن، وإصرارهن على دخول التاريخ حتى وإن حرص البعض على تهميشهن: ابتكرن الآليات، جدّدن الخطابات، غيّرن أشكال ظهورهن: لابسات للسفسارى، متشحات بالعلم التونسى، مرتديات لـ«بنطلونات»، متبرجات وسافرات ومحجبات.... من قال إنّ التونسيات لم يشاركن فى النضال وكنّ راضيات وخانعات؟

ولكن الواجب الأخلاقى والتزام معيار التنسيب يفرض علينا أن نقرّ بأنّ من التونسيات فئة انضبطت وأصغت إلى أوامر يصدرها «المرشد» أو «الأمير» أو «الداعية» فكان الولاء للحزب وللجماعة على حساب المكتسبات، وكان تحّركهن تلبية للأوامر لا عن قناعة ووعى. آمنّ أنّ مصلحة الأمّة تقتضى منهن التضحية وتنفيذ الأوامر عن مضض. من ادّعى أنّ هؤلاء لسن تونسيات؟

ومن التونسيات فئة ارتضت الزواج العرفى ولبس البرقع والنقاب وجهاد النكاح وحمل السلاح والتدرب على فنّ القتال ومؤازرة الإرهابيين فى الجبال، ومنهن أيضا من آمنت بختان الفتيات، وتعدّد الأزواج، ونكاح الصغيرات، ومنهن من مارست قهر الصغيرات، ومصادرة مصيرهن، وحقهن فى طفولة آمنة، ومنهنّ فئة ساهمت فى الترويج لأميّة لن ندرك نتائجها إلاّ بعد فوات الأوان. من أراد إسبال الستار عن هؤلاء وحجبهن عن الأنظار؟

ومن النساء فئة من الكادحات يكابدن من أجل لقمة العيش لا وقت لهنّ للاحتجاج أو الاحتفال، ومن النساء فئة لا تبالى بما يقع فى البلاد يسايرن آخر صيحات الموضة ويستمتعن بحياتهن فى الفنادق والملاهى. من قال إنّ هؤلاء لسن تونسيات؟

ليس الرهان اليوم من تمتلك حقّ تمثيل المرأة التونسيّة بل التحدّى الأكبر هو كيف يكون الخروج من أزمة التمركز على الذات، وإلغاء الآخر؟. كيف السبيل إلى القطع مع حالة العمى وإدراك الواقع الاجتماعى والثقافى، والحراك المسجّل داخل الحركات النسائية. كيف نصوغ خطابا ولغة ونبتكر استراتيجيات تحقّق العيش معا، وتؤدى إلى الاعتراف المتبادل، واحترام التعدديّة والتنوّع. فكلّنا فى النهاية نأمل أن نكون مواطنات تونسيات وإن اختلفت لغتنا وخياراتنا ومرجعياتنا. ولا ولاء إلاّ لتونس.