المسكوت عنه في قضية إمامة المرأة الصلاة



آمال قرامي
2005 / 6 / 20

سكت القرآن عن موضوع الإمامة الصغرى وكذا الإمامة الكبرى وسكت الرسول بدوره عن هذا الموضوع. فلم نعثر في كتب"الصحاح" أو غيرها عن حديث واحد يشرّع للإمامة أو يمنعها. وحين سكت النصّ نطق العلماء فأدلوا بدلوهم … فوجدنا الرافض وغير الممانع ولكن بشروط... ولكنّ هؤلاء "هم رجال" ونحن، "رجال ونساء عصرنا"، نروم الانخراط في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر لنساهم كلّ من موقعه، في إنتاج معرفة ما حسب شروطنا التاريخية.

ولأنّنا نؤمن أنّ من حقّ الخَلَف مناقشة المواضيع المطروحة اليوم على الضمير الإسلامي والتعبير عن مواقفهم بكلّ جرأة، فإنّنا سنعود مرّة أخرى إلى قضيّة إمامة المرأة الصلاة لنكشف النقاب عن المسكوت عنه في هذا الموضوع.

يتبدّى لنا من خلال متابعة ردود الفعل حول الموضوع، وخاصة منها الناطقة باسم المؤسسة الدينية الرسمية أنّ رفض مطلب المساواة بين الجنسين في الإمامة مطيّة لرفض مطالب أخرى أهمّها مشاركة المرأة في الحياة السياسية، وهي قضية مثارة اليوم بشدّة، خاصة في مصر.

ولئن غابت المواقف الرصينة والنقاش الجاد المراعي لآداب الحوار فإنّ الانفعال والغضب والتنديد والتهكّم والسخرية وغيرها من علامات التشنّج والاضطراب النفسي، هي التي سيطرت على أصحاب موقف المنع. ولا يخفى أنّ المسألة يتنازعها قطبان: الظاهر والباطن. فالظاهر يوحي بغيرة العلماء على الدين و"الثوابت" والأصل"، والباطن يفضح هاجس الخوف المسيطر على هؤلاء: الخوف من فقدان الهيبة والخوف من "الفتنة بهنّ ومنهنّ"( ابن الحاج العبدري، المدخل، بيروت، دار الكتاب العربي1972، ج4 ص210 ) والخوف من الزعامة النسائية وهي زعامة متعددة المظاهر: دينية وروحية ومعرفية وسياسية وغيرها. وبين خطاب الظاهر والباطن بُنى ذهنية تتحكّم في المتخيّل الإسلامي وتتربّع على عرش السيادة الذكورية.

إنّ الخطاب يفضح صاحبه ويُبين عن مخاوفه وما اللجوء إلى العنف اللفظي إلاّ محاولة للدفاع عن المواقع والمراتب ولذلك لا يتوانى أصحاب موقف المنع عن الكلام نيابة عن الله فإذا هم يقررون أنّ صلاة من صلّى وراء إمرأة، فاسدة.


ويقودنا تحليل هذه البنى والأنساق إلى الوقوف عند المسائل المسكوت عنها في هذه القضية. وهي الآتية:
1ـ الطهر والنجاسة:
لئن اعتبر الأطباء القدامى أنّ الحيض سبب لصحة المرأة فإنّ ما ساد في الأذهان الاشمئزاز من ذكره والنفور من صاحبته ربّما لاقتران الدم في اللاوعي الجمعي بالعنف والموت وصلة رائحته بتعفّن الجثث. "فالحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه". (البيضاوي، أنوار التنزيل، بيروت، دار الكتب العلمية، 1988، م1، ص207 ). ومنذ الجاهلية أحاط العرب الحائض بجملة من النواهي والمحرمات وكانوا إذا حاضت المرأة أقصوها عن أماكن العبادة. (الكلبي، الأصنام،القاهرة ،مكتبة النهضة المصرية ،دت ،ص47 ). فماذا لو طرق الحيض المرأة وهي تؤدي الصلاة؟ ألا يكون الإقصاء عن الإمامة حينئذ محاولة لتحصين المنبر من النجاسة المادية؟ وهكذا يصبح الفصل بين أماكن مخصصة للرجال وأخرى مخصصة للنساء مفهوما.
ولا يقتصر الفصل بين الفضاءات على البعد المادي فقط، بل إنّه يتجاوز ذلك ليشمل البعد الرمزي. فمحاولات إقصاء المرأة عن فضاء التعبّد تنّم عن الخوف من النجاسة التي تحيط بالجسد الأنثوي. ولأنّ المسجد عنوان الطهر ورمز القداسة وهو سرّة العالم الذكوري، وجب لفظ المرأة خارجه وزجّها في البيت الذي، يفترض أن يكون مركز الوجود النسائي. وما المنع من حلول الجسد الأنثوي بالمنبر إلاّ علامة على الخوف من التلوّث الأنثوي... فالخشية كلّ الخشية من تلوّث الذكورة وتلبّسها بعناصر أنثوية فيتخنّث الفحل...

2ـ حفظ الوجاهة الذكورية:
تعدّ الهيبة صفة ذكورية ولذلك يعوّد الغلام منذ الصغر على إبراز هيبته واستعراض زعامته الذكورية خاصة أمام الضعفاء: النساء والمهزولين والمجنون، والمعوق... ولذلك أبى الرجل أن يفرّط في الركح ليتقاسمه مع امرأة حتى لو كانت في ورع رابعة العدوية. فإذا توزّعت السلطة على الجنسين ضاعت هيبة الرجال بضياع سلطتهم وفاعليتهم. وبناء على ذلك استأسد الأئمة دفاعا عن شرف المنبر وضمانا للهيبة التي تحتاج إلى مؤسسات تعضدها: المؤسسة الرسمية ممثلة في الأزهر والمؤسسة الإعلامية... وبدا الخوف من ضياع الفحولة حافزا على البحث عن مبررات لمنع المرأة من اعتلاء الركح والحدّ من طموحها وتقييد حركتها حتى يعسر حصولها على مراكز قيادية. إذ لا يخفى أنّ اكتساب المرأة حقوقا إضافية، يجعل منزلتها تضاهي منزلة الرجل ولذلك تحجب المرأة محافظة على الوضع القائم.

3ـ الكشف والحجب:
لقد "خلق الإنسان ضعيفا"(النساء4 / 28 ). والمقصود بالإنسان، حسب عدد من العلماء، هو الرجل الذي لا يستطيع أن يصبر عن النساء(الغزالي، إحياء علوم الدين،بيروت ،دار الكتاب العربي، دت، ج4، ص109 وابن تيمية، الفتاوى، السعودية، دار عالم الكتب، 1991، م15,ص400). ومن ثمّة كان عليه أن يحمي نفسه من سطوة الأنثى بحجبها عن الأنظار. فلا سبيل إلى جعل المرأة أمام جمهور المصلين، أي في الصدارة في مكان تتشوّف فيه لأنّها ليست من أهل البروز. ولا غرابة في ذلك، فآليات حجب غير المهمين طبعت السلوك وحركات الجسد في الثقافة العربية. فآداب المماشاة بين العالم والمتعلّم، الشيخ والمريد، السيّد والعبد، الرجل والمرأة تقتضي أن يكون المتبوع في المقدمة والتابع في المؤخرة. فلا غرو حينئذ أن تكون المرأة بعيدا عن الأنظار في عالم سيطرت عليه الصورة بعد انتشار الفضائيات. تحجب المرأة عن موقع الصدارة: الأمام بتعلّة أنّه "لا يصحّ أن يرى الرجال جسد المرأة أمامهم أثناء العبادة" خاصة وهي"تركع وتسجد" وتلزم بوضع الحجاب. ولكن من هو المحجوب؟ إنّ المحجوب هو الشخص الذي يتصف بهذه الصفة عندما يكون وجدانه محكوما بالشهوة الحسية فلا يبصر النور الإلهي في قلبه بقلبه... والمحجوب هو الذي يتعمّد وضع حجاب على عقله وفكره فينغلق ويرفض تغيير جهازه الفكري ويتوهّم أنّه دائما على حقّ وأنّ سواه لا يعرف إلاّ الباطل ويعيش في ظلام دامس...

4ـ خوف الفتنة
إنّ خشية الرجل من الشيطان جعلته يراه في كلّ ما يحيط به، حتى في شخص الإمامة. لِمَ لا "وهنّ مصائد الشيطان". وكأنّ الريبة والشكّ في سلوك الآخر بُنية متأصلة في نسق الحياة العربية. ولأنّ الإمامة تعتلي المنبر فإنّها تحوّلت إلى موضوع نظر ورغبة ولم تعد الستيرة المصونة من"ربّات الحجال" بل إنّها أضحت عنصر فتنة... تُلهي الرجال عن صلاتهم فإذا هم ساهون.. وما دام حضور المرأة يُربك الرجال ويحدث تشويشا في عالم يصرّون على أن يبقى مغلقا على أبناء جنسهم، فإنّ موقف المنع مفهوم وينطبق على فئة الرجال الذين لا يعترفون بالمرأة: المثيل والندّ وإنّها في نظرهم، جسد للإمتاع. كما أنّ هؤلاء لا يُعوّلون على الضبط الذاتي، وكأن لا همّ لهم سوى إشباع الحاجات الحسية حتى في مقام العبادة.

5ـ الدفاع عن البنية الاجتماعية:
وهي بُنية قائمة على التراتبية الهرمية: المركز والهامش، الأنا والآخر. ولمّا كانت المرأة في المنظومة الفقهية كائنا غير مستقل بذاته إنّما هي "بضع يمتلكه الرجل بعقد" كما تشير إلى ذلك كتب الفقه (باب النكاح)، تعيّن حفظ حقّ الزوج. فالإمامة التي تكون"تحت" رجل أي متزوّجة تتطاول على حقّ زوجها بنقض الأسس التي تشكّل العلاقة بين الزوجة والزوجة، وهي علاقة قائمة على طاعة البعل والاعتراف بقوامته في كلّ مظاهرها. إنّ موقف المنع هو شكل من أشكال التضامن الذكوري
(solidarité masculine ) محافظة على المنازل والكيان. وباعتبار أنّ المرأة دخلت هذه القيم وهذه التمثلات فلا نستغرب أن تكون المندّدة بحالات الخرق.

6ـ الخوف من ضياع السلطة
تُفهم مطالبة فئة من النساء بحقّ المرأة في الإمامة على أنّها صراع من أجل الاستحواذ على النفوذ والسلطة وتنافس ديني غايته زحزحة الرجال عن مواقعهم. ولأنّ تخلخل مكانة الرجل الاجتماعية تفضي إلى تصدّع "صورة الرجل"في عالم ظهرت فيه أنواع من الرجولة وأشكال من الذكورة
(new style of masculinity) فإنّ منافحة أصحاب السلطة عن مواقعهم الدينية والسياسية منتظرة. إذ لا يمكن التسليم بيسر بأنّ المرأة ليست الآخر (the other, the outsider) ولا الدخيل الذي يجب أن يكون دائما بعيدا عن هذه القطاعات الحيوية. "لا يجب أن تدخل المرأة في مسألة الثوابت التي تقوم عليها الدولة" ولا الغريبة عن فنّ تدبير المدينة بالمفهوم اليوناني، أي السياسة والمكلّفة فحسب بتدبير البيت فذاك مكانها"الطبيعي". ولئن كانت "المساجد لله" فإنّ الأفضل لها أن تَكنّ في قعر بيتها... وهكذا تتأسس الجدران العازلة بين عالم الرجال وعالم النساء، بين الفضاء الداخلي والفضاء العمومي.

إنّ التعنّت متوقّع في ثقافة جعلت الفرد يفعل المستحيل من أجل الاحتفاظ بموقع النفوذ والسلطة والهيمنة والجاه والامتيازات ولا يؤمن بمبدأ التداول والمشاركة.... إنّ الرفض مفهوم. فتبعات المطالبة بالمساواة في الإمامة خطيرة.... فاليوم تطالب النسوة بالإمامة الصغرى وغدا يرغبن في الاستحواذ على الإمامة الكبرى.. واليوم إمامة في مساجد أمريكا وغدا قد تطالب إحداهن بإمامة صلاة الجمعة بالحرم المقدّس.... ولذلك يكون رد الفعل بـ" سدّ الذرائع" أي "سدّ المنافذ": منع الجزء حتى لا يطمعن في الكلّ.... ويكون الرد باللجوء إلى العنف اللفظي. فلا عجب أن يرحّب الأئمة بـ"الرجال الشجعان" الذين تصدوا للفئة"الضالة" فأغلقوا المساجد وطردوا النساء وأشباه الرجال الذين ينصاعون وراء" كلام النسوان".

لم نرغب في استفزاز الجماهير وإنّما كانت غايتنا "كشف الغمّة" وإماطة اللثام عن المسكوت عنه في خطاب نسجته الأرتودكسية الدينية. فهل يسدل الستار عن مطلب المساواة في إمامة الصلاة أم أنّ الشاذّ قد يقاس عليه في يوم من الأيّام؟

amel _grami@yahoo.com