الإسلامويات قادمات ليزاحمن القيادات



آمال قرامي
2014 / 4 / 8

أجمعت النساء على المشاركة فى الثورات العربية من موقع المواطنيّة التى تسمح للجميع، على اختلاف ألوانهم وأعراقهم، وانتماءاتهم الدينيّة، والأيديولوجيّة والثقافية وغيرها، بأن يكونوا فاعلين، وصانعين للتاريخ. فبرزت التونسيات فى الصفوف الأماميّة، مرفوعات على الأكتاف، وغنّت المصريات وواجهن قمع الجهاز الأمنى غير مباليات، ونظّمت الليبيات المظاهرات وهتفن عاليا، وخرجت اليمنيات متحديات كل القوى المهيمنة سياسيا واجتماعيا، وقاومت البحرينيات التعذيب والتنكيل، وتحمّلت السوريات وحشية النظام.

واعترف العالم أجمع بقدرات النساء على التعبير عن ذواتهن، وبمدى إصرارهن على أن يكن داخل التاريخ لا خارجه. وانهالت المقالات والدراسات التى تقرّ بأنّه آن الأوان لتغيير الصور النمطيّة، والأحكام المسبقة التى تحاصر النساء فى «الشرق الأوسط» مؤكّدة أنّهن توابع. وعلى هذا الأساس لمسنا إشادة بالمشاركة النسائية بطريقة شمولية تعمّم ولا تسعى إلى إقامة الفرز بين المنتميات إلى القوى الليبرالية أو الديمقراطية.. والإسلامويات. فالمهمّ هو أنّ النساء يتحركن فى العالم العربى.

وبالرغم من كلّ هذه «الإنجازات» التى تحقّقت، والتى جعلت النساء مرئيات إعلاميا وأكاديميا فإن حكومات ما بعد الثورات أصرت على ممارسة العمى، وتنكّرت لما وصلت إليه النساء من وعى، وقدرة على الفعل فى الواقع المتغير بنسق سريع.

بيد أنّ سياسة الحجب لم تنعكس على مجال البحوث التى أنجزت خلال السنوات الأخيرة إذ غيّر أغلب الدارسين والبحّاثة توجّه أعمالهم، فما عادوا يكتفون بالتركيز على أدوار النساء الممثّلات للقوى الليبرالية واليسارية والعلمانية.. وإنّما رغبوا فى استقصاء أخبار الإسلاميات خلال الثورات، وأثناء مسار التحول الديمقراطى.

وبقطع النظر عن دوافع هذا الاهتمام فإنّ ما يسترعى الانتباه فى رصد تحركات النساء خلال هذه السنة، هو الدفع بالنساء إلى الخروج والاحتجاج. ففى اليمن خرجت نساء «حزب الإصلاح» محتجّات على الرفع من سنّ الزواج إلى 18 سنة فى محاولة لمقاومة ظاهرة زواج القاصرات، وتحرّكت النساء بقدرة قادر، فى الأردن، وتونس، والمغرب.. محتجات على اتفاقية مناهضة التمييز ضدّ المرأة، وفى مصر حفز «الإخوان» النساء على التظاهر بالشوارع فى أكثر من مدينة، وهى استراتيجيّة تقليديّة تستعمل النساء أداة للتحرّك باعتبار أنّ الجهاز الأمنى، فى الغالب، لا يريد أن يتورّط فى عمليات الاعتداء على النساء مراعاة لمنظومة أخلاقية دينية استثنت الضعفاء من أطفال ونساء وشيوخ من المواجهات المادية.


تثير هذه «الاستراتيجية» الانتباه، وتدفعنا إلى التساؤل: لم تعمل الأحزاب الإسلامية، على وجه الخصوص، فى تركيا والمغرب ومصر وتونس واليمن وماليزيا وغيرها، على توظيف النساء فى التعبئة للتحركات الاحتجاجية؟ هل يكمن الدافع من وراء ذلك، فى الإيمان الفعلى بضرورة مشاركة النساء فى الشأن العام أم هى الحاجة إلى إبراز عدد المناصرات؟ ثمّ هل تستجيب النساء لدعوات الخروج فى المظاهرات من منطلق عقدى والتزام بأوامر القيادات الذكورية أم أنّهن يتحركن كنساء مقتنعات بضرورة العمل الميدانى بعد وعى اكتسبنه؟ لم تتظاهر النساء ضدّ حقوقهن؟ ما انعكاسات بروز النساء فى الشوارع وفى وسائل الإعلام المحليّة والعالمية «خطيبات» كما لاحظنا ذلك فى تونس، ومندّدات، ومطالبات، وغاضبات.. على الحركات الإسلاميّة من الداخل؟

فإذا نظرنا فى أداء نائبات حزب النهضة فى المجلس التأسيسى نلاحظ تفاوتا على مستوى الحضور واكتساب المهارات بين فئة كانت فاعلة متمكنة من آليات الحوار، والتفاوض وحتى المواجهة، وفئة ظلّت صامتة محجوبة عن الأنظار، منذ البداية وحتى نهاية صياغة الدستور، وأخرى «محدثة للضجيج» بين الحين والآخر.

وبينما اضطلعت فئة من النائبات بأدوار مختلفة كالتعبئة فى الاحتجاجات، وخوض المعارك حول الشريعة، والهويّة، والتناصف.. والتوسّط لحلّ النزاعات، و«تلميع» صورة الحزب فى الخارج وغيرها آثرت أخريات الاكتفاء بالانضباط لأوامر الحركة، وشدّ الأزر زمن التصويت على المواد والقرارات.


غير أنّ حضور الإسلاميات فى المؤسسات الرسمية وفى الفضاءات العمومية وفى وسائل الإعلام وغيرها لم يواكبه تزحزح إلى حد الآن، فى مواقف القيادات من تشريك النساء فى مجلس الشورى. ونقدّر أنّ الواقع سيتغيّر فى المستقبل، مبرّرنا فى ذلك أنّ الثورات فسحت المجال للنساء، على اختلافهن، بتبيّن مدى أهميّة المشاركة فاستمتعن بما تدره عليهن من مكاسب. واكتشفت النساء أنّهن قادرات على كسر جدار الصمت، وتجاوز الخوف، واكتشفن أيضا مدى قدرتهن على التعبئة، وانخرطن فى الاضطلاع بمختلف المهام، وسعين إلى تنمية قدراتهن، والأهمّ من كلّ ذلك فى تقديرنا، هو وعيهن بالتغيير الحاصل فى منزلتهن، والامتيازات التى حصلت لهن فضلا على «تسيسهنّ». ونذهب إلى أنّ نمط العلاقة بين الجنسين سيتغيّر لفائدة تمكين النساء، وهذه المرّة، لن يقدر «الصقور» على الوقوف بوجه إرادة النسوان. إنّهن قادمات للمطالبة بحقهن فى المشاركة فى صنع القرار من موقع القيادة فى كل المكاتب التنفيذية، ولن تتمكن القيادات هذه المرّة من لجم إرادة النساء، وترويض الفاعلات. أو ليست المناصفة مكسبا ساهمت النهضة فى تحقيقه، والإشادة به، وتقديمه حجّة على إيمانها بحقوق النساء.

ولن تتمكن بقية الأحزاب الإسلامية فى مصر واليمن وليبيا وغيرها بعد تنفيذها لمشاريعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية من إعادة النساء إلى مؤسسة الحريم. هيهات فقد استنشقن هواء الحرية واستمتعن بإعلاء الصوت، وأدركن قيمة المشاركة والفاعلية، ووعين أهميّة البروز فى الشوارع «يزاحمن» الرجال. فهل بالإمكان بعد كلّ هذه المتغيرات، أن نؤخر الإسلامويات إلى الصفوف الأخيرة؟