موجة خلع الحجاب .... على هامش الانتخابات



آمال قرامي
2014 / 10 / 15


قلما يهتم المحللون والدارسون بالتغييرات المصاحبة للعملية الانتخابية على مستوى السلوك واللغة، والعادات، والملبس، وغيرها من مظاهر الحياة اليومية. ولعل احتلال النشاط السياسى مركز الصدارة هو الذى يحجب عنا مختلف التحولات التى يعيشها المجتمع التونسى على هامش «عرس الديمقراطية».

من المفيد التذكير بما عايناه فى انتخابات 2011 من «هبة» نسائية و«تدافع» محموم نحو لبس الحجاب لأسباب مختلفة لعل أهمها مناخ التحرر، الذى عاشته البلاد بعد سنوات من القمع. فهو الذى سمح لبعضهن بلبس الحجاب بعد أن كنّ لا يجدن الشجاعة اللازمة لمواجهة نظام يحارب النساء وفق معيار مظهرهن الخارجى، ومنها أيضا الرغبة فى التماهى مع الحاكم الجديد، والتباهى بأن الواحدة تعد فى زمرة النهضاويات، ومنها البحث عن الاحترام، ومنها البحث عن أيسر السبل لتحقيق المراد، وبالإضافة إلى الإقبال على لبس الحجاب بطريقة ملفتة للانتباه فى جميع المؤسسات، والفضاءات انتبه الناخبون إلى وجود متطوّعين حرصوا على جندرة الفضاءات يوم الانتخاب فإذا برجال انتصبوا للمراقبة يرفعون الأصوات عاليا من أجل الفصل بين الجنسين. فللنساء صفوفهن، وللرجال صفوفهم ولا مجال للاحتكاك والمحادثة والملامسة.. ولئن قاومت بعضهن هذه «القوامة الحزبية» فإن جماعات أخرى انضبطت مستبشرة أو مستسلمة لواقع جديد.

غير أنّ ما يسترعى الانتباه فى الفترة الأخيرة كثرة النساء اللواتى قرّرن خلع الحجاب بل الانقلاب الواضح على مستوى السلوك. فبعد «الحجاب الأسود» اصطفت النساء أمام الحلاقين لتغيير تسريحة الشعر وصبغه، وبعد الامتناع عن صبغ الأظافر ها هن يتجملن بالأصفر والأخضر والأحمر القانى، وبعد الإقلاع عن مصافحة «الإخوان» ها هن يقبّلن الرجال، وبعد اللباس الشرعى ها هن يقبلن على الفساتين القصيرة، والملابس الشفّافة.. وسبحان مغيّر الأحوال.


مقولة «حقى فى اختيار لباسى» رُفعت فى الماضى، دفاعا عن الحقّ فى لبس الحجاب، وها هى اليوم تستعمل لتبرير «خلع الحجاب» وشتّان بين التبرير الأول والتبرير الثانى. فلكل حدث خلفيات متنوّعة. إنّ ما يشدّ الانتباه فى هذا التحوّل على مستوى زى عدد من التونسيات هو أن تتزامن هذه الخيارات مع فترة الاستعداد للانتخابات، وهو أمر له أكثر من دلالة. فلئن ارتبط الحجاب بالعمل السياسى والانتماء الأيديولوجى فإنّه اليوم قد تحوّل إلى علامة فشل حزب «الأغلبية» وحجة على تورّط «من يعرفون الله»، ومما لا شك فيه أن سلسلة الأحداث التى مرّت بها تونس خلال هذه المرحلة الانتقالية قد وّلدت شعورا بالخجل لدى بعضهن، وجعلت بعضهن يحبطن ويصبن بخيبة الأمل فى السياسات التى تبناها حزب النهضة وخاصة سماحه لأزلام النظام السابق بالعودة إلى الظهور والتغنى بما أنجزوه طيلة عقود من الفساد والقمع. فهل أنّ خلع الحجاب هو ردّ فعل انفعالى معبّر عن غضب النساء من احتكار الرجال للسياسة وتلويثها؟ ومثلما آزرت النسوان أصحاب السلطة ها هن يعاقبن من خذلهن وخان الأمانة.

هل يفهم خلع الحجاب على أساس أنه فعل تصحيح للمسار بعد انتبهت بعضهن إلى البعد التوظيفى للحجاب، واقترانه بالإسلام السياسى، وهيمنة المصالح السياسية على المنظومة الأخلاقية الدينية فإذا بهن يردن أن لا يقع الحكم عليهن مرة أخرى من خلال الهيئة؟

هل يفهم خلع الحجاب على أساس أنه «استفاقة» النساء من غيبوبة أو وهم لم يدم طويلا فها هن يعدن إلى «رشدهن»؟

هل يفهم خلع الحجاب على أساس أنه عدول عن التجربة وبرء من حالة «العدوى» التى استشرت فبعد تجربة تغطية الشعر وتغيير السلوك، وتبنّى طقوس جديدة وما يستتبعها من تحولات على مستوى الوعى بالذات والمصالحة مع الجسد.. تسعى بعضهن قطع التجربة لعدم اقتناعهن بضرورة الاستمرار؟

هل يفهم خلع الحجاب على أساس أنه بحث عن الهوية بأبعادها المختلفة عبر واسطة تمثلت فى الحجاب.. بحث لم يشبع «حيرة مسلمة»؟


تتعدد أسباب الخلع ولكن ما يهمّنا هو أن المنطقة تعيش حركة بطيئة، تململا، تغييرا ففى الجزائر والمغرب وتونس وإيران.. تسعى النساء إلى التعبير عن خياراتهن وآمالهن وتصوراتهن لذواتهن وأحلامهن، ومواقعهن من خلال أجسادهن.. وبعد النقاب والعبايات السود.. تُطل الفساتين القصيرة، والجوارب، والكعب العالى والزينة.. فهل يفهم سياسيونا الرسالة، وهل هم مؤهلون لفك الشفرة؟