رحيل طيبة الذكر الخالة أم شبلي



كريم الزكي
2018 / 8 / 13

في ذكرى رحيل طيبة الذكر الخالة أم شبلي

بعد فيضان كاسح في العام ١٩٥٤ انتقلنا من منطقة الصليخ في المناطق الزراعية الى الكرخ وجوار مقبرة براثا حيث رحلتنا السلطة الملكية الى هناك وتسمى ( بالمنطكة )..
بأعتبارنا منكوبين بسبب الفيضان لا رحمة بنا كمنكوبين بل للقضاء علينا وحرماننا من الحياة وسد جميع المنافذ على العوائل وحصرها تحت رحمة المساعدات الدولية والتي لم نرى منها اي شئ . فقرر والدي أن نرحل بأي وسيلة من منطقة الموت والمقبرة فعليا حيث كانت خيامنا البائسة والتي كانت عبارة عن بعض الملابس القديمة وغيرها . كنا خمسة افراد الأخ الكبير عبد الواحد وانا عبد الحسين وأختنا الرضيعة. الصغيرة فوزية وأمي وأبي ..
اتفق والدي مع صاحب سيارة نقل شاحنة ( لوري) من الحجم الصغير حيث جرى الاتفاق بينهم على أن يتم الرحيل فجراً لأن السلطات لا تقبل بأن تنتقل اي عائلة من المكان المميت في العطيفية مقبرة براثا (المنطكة)
جاءت السيارة فجراً وحملنا اغراضنا البائسة في تلك السيارة (الوالد والوالدة و أختنا فوزية مع السائق في القمارة) وانا واخي الكبير عبد الواحد ( وحيد) في سلة البدي فوق قمارة السائق ، وعبرنا جسر الصرافية الحديدي ، علماً ان الجسر كان فيه نقطة تفتيش لا تسمح لأي عائلة بالمرور الى الرصافة ولكن السائق كان يعلم ان في اوقات الفجر كان الحارس ينام واضعاً رأسه على البندقية وهو داخل نقطة الحراسة ( الحديث بين والدي وسائق اللوري سمعته بالتفاصل .وكل الذي أثارني هو كيف سارى حارس الجسر نائم وواضع خده على البندقية وغارق في نوم عميق حيث لا يرانا ونحن مسرعين بالسيارة عابرين ذلك الجسر العتيد ( جسر الصرافية) , وفعلاً كل الذي سمعته تحقق وأنا وأخي عبد الواحد جالسين في سلة البدي فوق سطح قمرة قيادة السيارة .. !!!!!
المهم في عملية جريئة وتحدياً للسلطات عبرنا الى المستقبل الى الرصافة. في نفس اليوم الوالد وبمساعدة بعض الأقارب بنا لنا بيتاً من الطين ولم يستطيع كسو سطحه بخبطة الطين والتبن فوضع عليه غطاء( جادر ) وبعض الاحجار وغيرها كان شتاءاً بارداً شديد المطر . في إحد الليالي طار الجادر فصعد الوالد ورمى نفسه فوق الجادر كي لا يطير بشكل كامل وحتى الصباح كان الوالد تحت المطر وفوق سطح غرفة الطين ،لقد نجينا بفضل والدنا الذي كان على استعداد للتضحية بحياته في سبيلنا ..
في نفس الايام أستطاع الوالد ان يجد عمل له كي نستطيع الاستمرار بالحياة في شركة نشأة السنوي لحفر الأبار الارتوازية ومرفق معها معمل تكسير الحجر الذي عمل به الوالد بعد ذلك . ومن خلال امانته وجهاديته في العمل طرحوا عليه السكن مجاناً في احدى. البيوت المتروكة من أيام اليهود والتابعة لشركة الحفر ، كان عبارة عن مشتمل وتواليت بسيط وحنفية ماء ومصباح واحد فقط وسط غرفة النوم , بالنسبة لنا كان قصراً إضافة الى ذلك اصبح لنا جيران طيبين من اللبنانيين اصحاب مصنع حلويات مونديال الشهير في منقطة الشرق الاوسط عموماً والكثير من الجيران ذو الاصول الأرمينية (في كمب سارة خاتون ** كمب الارمن**))
بالقرب منا كان هناك كمب الآثوريين الملاصق لكراج مصلحة نقل الركاب رقم ٣
وحسب ما اذكر كنا نسكن قرية ,, والدي كان يعمل في الزراعة ومرات يشتغل في كراب(حراثة) الارض حيث كان يسوق تركتور في ارض رشيد عالي الكيلاني في الصليخ
وهنا في منطقة كمب الأرمن اصبحنا من عوائل المدينة والحضر كانت إنتقالة لحياتنا تشكل انعطافاً كبيراً ومختلفاً عن حياة القرية والذي ساعدنا على التكيف طيبة الناس وكوننا اطفال. سريعاً ما تأقلمنا مع الحياة الجديدة
بالقرب منا شارع جاكي عبود طبيب الامراض العصبية حيث كان مشفاه بالقرب من طريق معسكر الرشيد وكل المناطق التي تحد طريق معسكر الرشيد وسدته والسدة الشرقية (الطريق السريع حالياً) وكراج المصلحة رقم ٣ وحتى نهر دجلة كانت أرض فارغة لا سكن فيها ولا اي معمل او مصنع عدى معمل الري القريب من السدة الشرقية
بعد فيضان ١٩٥٤ بدأت هجرة العوائل المنكوبة بالفيضان من مدن الجنوب والوسط تزحف على بغداد بشتى الاتجاهات في الكرخ والرصافة ولم تستطيع السلطات ايقافها لأن اكثر العوائل كانت تهاجر افراداً ودون اي متاع او أغراض معها.
كانت بالقرب منا ارض واسعة لا يوجد فيها سوى بعض بيوت الطين في احداها تسكن عائلة فقيرة مكونة من مجموعة رجال الجميع في دار واحدة مع أطفالهم وزوجاتهم ومعهم امهم كبيرة السن جداً هذه المرأة (أخت بكرالعامري وعمة هاشم أبو شبلي) في احد ايام ربيع عام ١٩٥٥ جاءت الى والدتي وتعرفت علينا وطلبت منها ان ترى اختها الصغرى كي تأخذها زوجة لأبن أخيها هاشم ابن بكر . وكونهم من أفضل العوائل سمعة وشهامة قبلت والدتي ان تعطيهم اختها الصغيرة
كانت خالتي تسواهن تسكن مع اخوانها الاربعة خلف السدة الشرقية حيث سكنتهم السلطة هناك في بيت من الطين يعود شكلها الى ايام حمورابي !!! في بلد أرضه بحر من النفط
ويمر بين تلك البيوت نهر من المياه الآسنة يسمى (شطيط) والذي يكب فيه كل قاذورات بغداد ومستشفياتها جميعاً ..
عوائل فقيرة كادحة كان هناك بيت خالي مصطفى مع اخوانه عبدالله وحسب الله ومحمد وأختهم تسواهن, ذات الستة عشر عاماً ، شابة جملية وشهمة كانت تتحمل كل أمور ذلك البيت الطيني المترامي الاطراف(كبير) لكل واحد غرفة من الطين مع مظيف للزوار ، المهم. جاءت
اخت أبو هاشم بكر العامري عندنا في ذلك اليوم من ربيع ١٩٥٥ وطلبت ان ترى الخالة طيبة الذكر أم شبلي
طلبت مني والدتي ان اذهب الى خالتي واقول لها ان تأتي الى بيتنا حيث والدتي مريضة وتريدها ان تغسل ملابسنا . كنت صغيراً وذهبت مسرعاً (المسافة تتجاوز ثلاثة كم ) الى بيت الخالة وجئت بها الى بيتنا علماً انني كنت اعلم امر طلب يدها للإنسان طيب الذكر هاشم لان الحديث كان امامي بين الوالدة والعجوز. اخت بكر العامري .
كان هاشم مزارع في اطراف منطقة البياع يزرع البرسيم (الجت) ويبيع المحصول كعلف لأصحاب الحيوانات وكل العائلة تعمل في الزراعة من اخوته وآخته هاشمية التي طلب خالي مصطفى انه لا يعطي اخته إلى مقابل اخت هاشم فتم الاتفاق بين العائلتين على ذلك على الرغم من معارضة أقارب الطرفين .
حيث حدث نوع من التهديد الى بيت هاشم. برمي عدة اطلاقات في بيته وكذلك فوق بيت خالي مصطفى من قبل العشيرتين شمر. والبو عامر
جرت عملية الزفة على طريقة آل كابوني بحيث تخرج العروسين في وقت واحد ويلتقون في نقطة محددة ويرى بعضهم الاخر. ويتوجهون كل نحو داره
كانت ايام عادية ولكنها ليست جميلة وبمرور الوقت كنا نذهب بين الحين والآخر الى بيت الخالة تسواهن ، كانت امي تطبخ. قدر من الدولمة ونأخذه الى بيت تسواهن وهناك بيت بكر يصير عدهم عيد عند زيارتنا لهم . حيث يذبحون خروفاً لاستقبالنا إضافة. الى اجواء الريف الجميلة
تزينت الحياة الجديدة بالسرور بين العائلتين وأصبحت فعلاً جميلة...
كنا عائلة فلاحية بسيطة نسكن منطقة الصليخ الزراعية في ارض الملاك ورئيس وزراء المملكة العراقية في ثورة مايس ١٩٤١ رشيد عالي الكيلاني
العائلة مكونة من عائلة جدي حبيب النفل وعائلة والدي كريم عباس النفل ، كنا من العوائل الميسورة ومختصين بزراعة السمسم. ويعتبر السمسم من المحاصيل الذهبية في الزراعة إضافة الى الحنطة والشعير والبرسيم الخاص لمواشينا من الابقار والغنم . لدينا فرس وحصان ومهرة وعدة ابقار ومجموعة من الغنم ، وعدة اشجار من نخيل التمر الممتاز. البربن ، هذه الذكريات مثل الحلم بالنسبة لي ولكن من المستحيل ان انسى اي شئ منها لانها مطبوعة في ذاكرتي ، قبل الفيضان تعرضت الفرس لحادث كسرت احدى اطرافها وقتلها خالي بالبندقية كي لاتبقى تتألم من أثر الاصابة ، واتصور الحصان قضى وقت الفيضان ولم تستطيع العائلة الحفاظ عليه وجرفه السيل الهائل من مياه الفيضان فقط والدتي استطاعت سحب احدى الابقار معنا ونجونا بأعجوبة. بفضل تنبيه الشرطة لنا قبل ان تنكسر سدة نهر دجله علينا حيث فاضت كل بغداد عدى المناطق المحمية بالسدة الشرقية والمناطق المرتفة في الكرخ . بقت البقرة معنا لغاية سنة ١٩٥٧ في منطقة كمب سارة خاتون ، إلا ان والدي سمع من بعض الجيران تعليقات مزعجة بسبب وجود البقرة عندنا ففي فجر احد الايام نهضت أمي وأخذت تبكي لأنها لم تجد البقرة ولا ابنها الصغير في حوش البيت وعلمت أن والدي أخذها وباعها في سوق المصلخ هي وأبنها الحولي الصغير ، كانت البقرة. مصدر رزق لنا من خلال حليبها الوفير واللبن والزبد كانت خسارة كبيرة لنا نحن الاطفال بالذات اخي الكبير عبد الواحد (ابو ليث) وانا وفوزية الصغيرة والتي كانت تحتاج الحليب اكثر من باقي العائلة،
انتقلنا الى بيتنا في الكمب كما اسلفت وتغيرت حياتنا من حياة القرية الى الحياة الحضرية في المدينة اما بيت جدي حبيب فانتقلوا الى الكرادة الشرقية بالقرب من معمل باتا حاليا ، توفى جدي حبيب هناك بعد الفيضان بفترة قصيرة بسبب حسرته وألمه على الذي جرى علينا جراء الفيضان من حياة العز ورأساً فقدنا كل شئ فتوفى حزيناً متألماً على الذي حل بنا سنة ١٩٥٤ بسبب الفيضان , ودفن الجد الكبير حبيب النفل في الجدار (السرداب) قرب الباب الشرقية للإمام موسى الكاظم. لعدم قدرة العائلة على دفنه في مقبرة النجف بسبب انقطاع الطريق جراء الفيضان لان المياه غمرت الطريق الى النجف

ابو نبراس ٢٠١٨/٨/١١