من مظاهر ارتداد المجتمعات الإسلامية: -جندرة- الفضاءات



آمال قرامي
2006 / 9 / 17


تشير كتب اللغة إلى أنّ من معاني الارتداد  الرجوع إلى الوراء. والمظاهر الدالة على ارتداد المجتمعات الإسلامية المعاصرة كثيرة منها، تغليب الممارسات الطقوسية على حساب القيم الروحية ، والتشبث بسلوك "شكلاني" في الفضاءات العامة،  وإنتاج فتاوى غريبة ومنبتة عن العصر الحديث  وإصدار قرارات تنتمي إلى العصور القروسطية. وظاهرة "الخروج من العصر"  مخبرة ،في الواقع عن مدى سيطرة البنى الذهنية القديمة على عدد كبير من الناس كما أنّها توضّح  مدى حرص فئات من رجال الدين على ضرب الوصاية على  الجموع وتلذذهم بتقرير مصير الآخرين .
 
ومن القرارات الأخيرة التي تثبت إصرار بعض المجتمعات على مقاومة الحراك الاجتماعي ورفض نسق التغيير القرار الذي لجأت إليها  المملكة العربية السعودية والمتمثل في منع النساء من الصلاة في صحن الحرم  المكي . ويعدّ هذا القرار مظهرا آخر من المظاهر الدالة على التمييز بين الجنسين والكاشفة عن نظرة المجتمع إلى كلّ من الرجل والمرأة كما أنّ اتخاذ هذا القرار يعتبر حجّة على رغبة السلطات السعودية في تنظيم الفضاء على أساس "المفاضلة" بين الجنسين وتحقيق منع الاختلاط. فتقسّم الأماكن العامة إلى أماكن للنساء وأخرى للرجال وبذلك يُحتكر الفضاء الخارجي على حساب النساء ويضيّق عليهن حتى في المساجد، وهي موضع العبادة. ولا يخفى أنّ هذا القرار ذو وشائج باعتبارات مرتبطة بالهوية الجنسية وبالجندرة وبنظرة ذكورية ترى أنّ العالم الخارجي يجب أن يكون عالم الرجال إذ صار ظهور المرأة في الأماكن العامة بمثابة اقتحام لعالم الذكور واعتداء على ما في حوزتهم.
 
ولا عجب أن يتّسم موقف أصحاب هذه الرؤية الإقصائية المُعادية للمرأة بهذا التشدّد مادامت مرجعيتهم قائمة على إحياء الفقه القروسطي. فقد حوت أغلب كتب الفقه آراء ومواقف تثبت كيف عمل عدد كبير من الفقهاء على منع النسوان من الخروج، سواء كان ذلك إلى الأسواق أو المنتزهات أو الحمّامات أو المساجد أو المقابر أو غيرها.
ولئن شاع بروز النساء في العصور الإسلامية الأولى واختلاطهن بالرجال وتعمّد الشريفات منهن الخروج في مواسم الحجّ في مواكب تلفت الأنظار وتنافسهن في ذلك، فإنّ أغلب الفقهاء سعوا تدريجيا إلى التشديد على سلوك المرأة والرجل واستنباط أحكام توضّح مدى حرص المؤسسة العالمة، ومن ورائها المجتمع، على محاصرة كل ما يجري في حياة الفرد. وقد تزامن فرض القيود على المرأة مع نزوع المجتمع نحو الأبوية الذكورية على إثر نشأة الدولة في مظهرها السياسي والقانوني واقتصاد التملّك الخاصّ الذي أداره الرجال. ولئن كان وجود الدولة يعني وجود النظام والحدّ من حرية الأفراد، فإنّ القيود المضروبة على المرأة كانت أشدّ من تلك التي فرضت على الرجل. وكلّما انهارت منظومة القيم وتصدّع البناء الاجتماعي ازداد تكبيل المرأة بالقيود وتحميلها مسؤولية الفساد بل إنّها كانت في نظر البعض متسببة في ظهور الكوارث والمجاعات.
وقد ارتكز العلماء على أمر نساء النبيّ بالقرار في بيوتهن (الأحزاب 33/33) للتشريع لمنع النساء من الخروج، مغيّبين السياق الخاصّ الذي نزل فيه هذا الأمر معتبرين أنّ البيت هو المكان "الطبيعي" للمرأة. وفي ضوء هذه القراءة الحرفية للآية نفهم ردود فعل المجتمع العنيفة تجاه عائشة، إذ لم يتقبّل أغلبهم خروجها إلى البصرة لتخطب في الناس. وتحوّل ذلك الحدث إلى موضوع هجاء لأنّها لم تلزم بيتها بعد وفاة الرسول وفهمت الأمر بالقرار خاصّا بحياته ولم تعتبره أمرا مطلقا. وقد أدّى ذلك إلى إرباك المنظومة الفقهية التي سعت إلى تبرير إقصاء النساء عن المشاركة في الحياة العامة بأنّه يستند إلى نصّ قرآني. وبيّن أنّه عندما تتصرّف المرأة بمطلق إرادتها دون الرجوع إلى سلطة ذكورية تهاجم بشراسة، حتى وإن كانت أمّ المؤمنين وحبيبة رسولهم لأنّ سلوكها يفتقر إلى السند الاجتماعي ويتعارض مع النموذج الأنثوي السائد.
ولم تتوقّف مساعي الفقهاء من أجل حبس المرأة عند هذا الحدّ، إذ كثر منذ القرن الرابع وضع الأحاديث التي تؤكد على ضرورة منع النساء من الخروج وفسّرت الآيات على ضوئها. وشيئا فشيئا نحت المؤسسة الفقهية إلى تضييق الخناق لا على جميع النسوان، بل على أصناف منهن شكلت أنوثتها تهديدا للمجتمع فجعلته يبوح بخوفه من نموذج المرأة التي يخشاها وفي الآن نفسه يرغب فيها: المرأة الفاتنة التي يجب أن تحجر في البيت. وبذلك صار إدمان الزوجات على الخروج قادحا في المروءة وجرحة في عدالة الأزواج، بل "يعاقب أزواجهن إن لم يمنعوهن".[1]
 
وقد ذهب الغزالي إلى توضيح شروط خروج الزوجة ف"لا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه، فإن خرجت فمتخفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها، لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكّر على من تظنّ أنّه يعرفها أو تعرفه، همّها صلاح شأنها وتدبير بيتها، مقبلة على صلاتها وصيامها".[2] ومن الواضح أنّ العلاقات بين الرجال والنساء لم تكن ثابتة عبر العصور وأنّ السعي إلى حبس النساء اختلفت أسبابه من مجتمع إلى آخر.
 
وتشير الأخبار إلى أنّ  المجتمع الذكوري كان خبيرا بسلوك الرجال ومدركا أنّ النظرة التي يرمق بها الرجل النساء المخترقات الفضاء العام نظرة ثاقبة تترصّد مواطن الجمال في الجسد الأنثوي المتحرّك فتلمسه وتسطو عليه رمزيا. فالنظر "ليس مشاهدة بقدر ما هو ممارسة للسلطة"[3] ودخول في علاقات تبادلية تحوّّل المنظور إليه إلى شيء وإلى موضوع شوق فيحصل المحظور. ف"من نظر إلى امرأة بشهوة زنى بها في قلبه". (متّى 5/28)
وهكذا تمّ التحكّم في حضور المرأة في الفضاء الخارجي فحجّر عليها المشي في وسط الطريق، أي البروز ووقع الحدّ من فاعليتها بتصميتها وإلزامها باتخاذ صفات الأموات وبتقبيح هيئتها حتى تبدو شبحا محايدا يلفه السواد متجرّدا من علامات الأنوثة وكأنّه لا سبيل إلى حضور المرأة في الفضاء العام إلاّ بعد إخضاعها لعميلة تشويه قد تعرّضها إلى حالة من انفصام الشخصية.
 
 نلمس في ضوء هذه مواقف عدد من العلماء أنّ المجتمع يملك وسائل متعددة لتحقيق ما يصبو إليه أوّلها غرس نموذج الزوجة المصونة في المتخيّل الجمعي، وهي المتميزة ب" قصر أربعة: يدها فلا تبذل ما في بيت زوجها، ورجلها فلا تخرج من بيتها، ولسانها فلا تستطيل به، وعينها فلا تطمح بها لغيره".[4] وهذه المرأة، هي الوحيدة الجديرة بالاحترام لأنّها رضيت بالاحتباس وانقطعت إلى قعر بيتها وما صعدت في حياتها سُلّما ولا سطحا. أمّا الوسيلة الثانية فتتمثّل في وعظ النساء وتخويفهن بالله وسرد الأحاديث والأخبار التي فيها الوعد والوعيد. وتكمن الوسيلة الثالثة في استثارة غيرة الرجال فقد "كان الحسن يقول: أتدعون نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق؟ قبّح الله من لا يغار".[5] وتظهر الوسيلة الرابعة في الحكم على من ترك امرأته تضع ثيابها في الحمّام بأنّه رجل عديم الأخلاق، وعلى من قبل بخروج زوجته إلى الأسواق بأنّه لا يستحي ولا يغار.[6] وتمثّلت الوسيلة الخامسة في سنّ المجتمع القوانين التي تدعم أهدافه الاجتماعية وتحقّق مصالحه، من ذلك اعتبار خروج المرأة دون إذن الزوج نشوزا وسببا من الأسباب الكافية لحرمانها من النفقة [7] بل لطلاقها.
وإذا تأمّلنا إلحاح المنظومة الفقهية على أن يكون خروج الزوجة بإذن الزوج، سواء كان ذلك لزيارة الأهل أو ممارسة بعض الطقوس الدينية أو لقضاء بعض الواجبات الاجتماعية أو المصالح، ظهرت لنا انعكاسات ذلك على نظام السلطة. ذلك أنّ للمسألة أبعادا هامّة، فليس إحكام تنظيم العلاقة الزوجية إلاّ تنظيما لبقية الأنساق وسيطرة عليها.
 
أمّا أهمّ العوامل التي جعلت المجتمع حريصا على عزل النسوان فتكمن في الآتي:
ـ الخوف "من الفتنة بهن ومنهن".[8] فالمرأة مغتلمة بالفطرة. "عن ابن عباس قال: خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها في الرجل وخلق الرجل من الأرض فجعلت نهمته في الأرض فاحبسوا نساءكم".[9] ومعنى ذلك أنّ هدف الرجل من وراء ارتياد الفضاء الخارجي هدف نبيل: التكسّب والمساهمة في تشييد الحضارة خلاف المرأة التي انحدرت من الجسد، أي من عالم المادة فكانت بعيدة عن عالم النفس والتمييز والعقل وضبط النزوات. فيدفعها توقّد الشهوة ونقصان العقل إلى الإغراء واستدراج الرجال لتلهيهم عن تجارتهم وعن صلاتهم. ولذلك أقصيت عن ولوج الأماكن العامة وعن المشاركة في حركة العمران لكونها سريعة الانخداع وعنصر فساد. وفق هذا الطرح يصبح عزل النساء عقوبة على خطيئة ارتكبتها أمهنّ حواء.
 
ـ اعتبار منع الخروج وسيلة من وسائل الإعلاء من شأن الزوج وجعله أحسن الرجال في نظر زوجته. فيتمّ بذلك حجب هؤلاء من بؤرة الإبصار فترضى كلّ امرأة ببعلها ولا تلتفت إلى سواه بعد أن أضحى الرجل الوحيد في حياتها فينتفي شوقها إلى غيره. وهذا المسعى يفضح-في نظرنا- هشاشة الذكورة ومدى سيطرة الخوف والشكّ على الرجل.
 
ـ إنّ ارتباط الأنوثة بالستر أدّى إلى الرفع من قيمة البيت فاعتبر أفضل مكان مناسب للمرأة. قيل: "إنّما النساء عيّ وعورة، فاستروا العورة بالبيوت واستروا العي بالسكوت".[10] وفي مقابل ذلك عدّ حضور الرجل في الفضاء الخارجي طبيعيا وضروريا لأنّه يساعده على تمتين صلته بعالم الذكورة. والذكورة لا تعيش في الظلمة وإنّما في النور ولا تنمو في المكان الرطب، بل في الهواء الطلق. 
 
ـ اعتبار المرأة رأس مال رمزي. فعفّة الزوجة ليست مطلبا اجتماعيا ودينيا فقط، بل هي أيضا مطلب رمزي ومن ثمّة كان على الرجل أن يصون زوجته لأنّها حرمة ويخشى وقوعها في الأسر أو اغتصابها. وما الاغتصاب إلاّ استحواذ على ممتلكات الآخر بهدف الهيمنة عليه والاستفادة من البضع فيتلوّث الرحم المنجب ويلحق العار والهوان بالرجال. وبذلك تروّج الأيديولوجيا الذكورية فكرة مفادها أنّ أفضل مكان يصون المرأة ويحفظ عفّتها هو البيت. وعن طريق تكرار مثل هذه الأقوال تتجذّر الآراء في اللاوعي لتتحوّل مع مرور الوقت إلى مسلّمات.
 
ـ حاجة المجتمع إلى المحافظة على نظامه التراتبي بالتمييز بين الشريفة المخدّرة البعيدة عن التهم والمرأة  الدنيئة التي تدمن على الخروج. وهكذا نتبيّن أنّ للحجب صلة بالوضع الاجتماعي والأخلاقي، كما أنّه من توابع وجاهة الرجل التي تتطلّب أن تكون امرأته محجوبة عن الأعين.
 
ـ تقييد حركة المرأة والحدّ من طموحها حتى يعسر وصولها إلى مراكز قيادية، أي إلى السلطة واكتساب قيمة اجتماعية تضاهي قيمة الرجل. فهذه الامتيازات يجب أن تبقى ذكورية. وما حجب المرأة في البيت سوى طريقة للمحافظة على الوضع القائم الذي أوجده المجتمع البطريكي وحرص على استمراره.
 
ـ استبداد القلق بالرجال، وخاصّة في الوسط الحضري وسيطرة الخوف من الخيانة عليهم. وهذا العامل النفسي دفعهم إلى تقييد حركة النساء لغاية ضمان راحة البال، إذ توهّموا أنّ الحجاب أفضل من الارتياب. ف"الطريق المغني عن الغيرة أن لا يدخل عليها الرجال، وهي لا تخرج إلى الأسواق".[11] وبهدف تجنيب الرجل العيش في دوامة الشكّ التي تعصف بنفسيته فتخلخلها، عمل المجتمع على تكثيف وسائل الرقابة بتجنيد الخصيان والعجائز والعبيد وإقامة الجدران الفاصلة. فالمراقبة المستمرة تشعر المرء بنوع من الطمأنينة والارتياح. ولكن أليست الريبة والشكّ بنية متأصّلة في نسق الحياة العربية الإسلامية برمتها؟
 
 
لئن دعا المتشدّدون إلى إقصاء المرأة عن كلّ الأماكن بلا استثناء، فإنّ أغلب الفقهاء ميّزوا بين الفضاءات على أساس درجة خطورتها. فاعتبروا المسجد مكانا قابلا لإخضاعه للمراقبة، إذ ثمّة حواجز مانعة بين الجنسين وصفوف خاصّة. والأمر بالمثل بالنسبة إلى فضاءات أخرى كان يفصل فيها بين النساء والرجال بوضع الستائر. أمّا الخروج إلى الفضاءات المفتوحة، وخاصّة الأسواق، فقد أقضّ مضجع سلطة المراقبة فكيف السبيل إلى التفريق بين النساء والرجال؟ وكيف يمكن رصد الملامسة والملاصقة والهمسة والإيماء في ظلّ غياب الحواجز والحدود ؟ إنّ مثل هذه الفضاءات تفضح عجز مؤسسة الضبط عن السيطرة على العلاقات بين الجنسين. ولئن اقترحت فئة بعض الحلول كأن يلتزم الكتّانون مثلا بأن يكون بينهم وبين حريفاتهم حجب ومقاطع من أقفاص حتى لا يحدث اللمس،[12] فإنّ الواقع المعيش أثبت استحالة تطبيق مثل هذه المقترحات. ذلك أنّ طبيعة الحياة تقتضي المشاركة واستمتاع المرء رجلا كان أو امرأة بحرية الحركة وحق التنقّل من مكان إلى آخر، وخاصة بيوت الله.
 
لقد تعمدّنا استقراء مواقف عدد من العلماء من فترات تاريخية مختلفة لنثبت أنّ القرار السعودي بمنع النساء من الصلاة في صحن الكعبة مشدود إلى الماضي لا همّ له سوى التعامي عن الواقع المعيش المتغير باستمرار وإحداث قطيعة مع خصوصيات القرن الواحد والعشرين. وما اتخاذ هذا القرار إلاّ علامة على الارتداد  إذ لا تتسنى الإجابة عن سؤال لِمَ منعت السلطة السياسية والدينية المرأة من حرية الحركة داخل المساجد  إلاّ بالرجوع إلى الوراء والنبش في تركة القدامى وكأنّ قدر المسلم المعاصر أن يعيش أسير المنظومة الفقهية القديمة .
 
كثيرا ما علّلت الأيديولوجيا الذكورية ضرورة منع المرأة من الخروج بأنّها وسيلة من وسائل الوقاية الاجتماعية بسدّ المنافذ أمام الفساد الناجم عن الاختلاط بين الجنسين ومثل هذا التبرير يؤكّد أنّ الفصل بين الجنسين صار من كبرى الأولويات المطروحة على المجتمعات الإسلامية ، وهو يفوق قضايا الاستبداد والفقر والأميّة والإدمان على المخدرات والاغتصاب والاعتداء على النساء وغيرها. أضف إلى ذلك أنّ التعلّل بأنّ غاية الفصل بين الجنسين الحفاظ على الأخلاق يوحي بأن العامل الرئيسي الذي  يشغل المسلم هو الجنسانية، وهي إهانة في حقّ الإسلام والمسلمين لم تصدر هذه المرّة عن أعداء الإسلام ولم تكن وليدة المؤامرات الغربية بل كانت صناعة سعودية تزيد في تثبيت الصور النمطية فالمسلم حيوان يجري وراء إشباع غرائزه والمسلمة غانية لا همّ لها سوى تصيّد الرجال وإشباع الحاجات الحسيّة داخل دور العبادة وخارجها.  فلا غرابة حينئذ أن تُجبر السلطات المرأة على اتخاذ مكان قصي في المسجد حتى لا تثير غرائز الرجال ...
إنّنا نعتبر أن لا معنى للفصل بين الجنسين  في مجتمع لم يعوّل فيه أصحابه على الانضباط الذاتي ولم يلتزموا فيه بسلوك أخلاقي. كما أنّنا نرى أنّ الفصل بين الجنسين وتقسيم  الفضاءات على أساس التفاضل  لهما دلالات خطيرة ذلك أنّ الفصل لا يقتصر على البعد المادي فقط، بل يتجاوز ذلك ليشمل البعد الرمزي. فمحاولات إقصاء المرأة عن الفضاء الخارجي تنمّ عن خوف المجتمع الذكوري من النجاسة التي تحيط بالجسد الأنثوي وسعيه الحثيث إلى تفادي القرب منها. وليس أدلّ على ذلك من العمل على احتكار المسجد، وهو عنوان الطهر ورمز القداسة ولفظ المرأة خارجه لتنزوي بالبيت. وينجم عن ذلك التمييز بين المسجد سرّة العالم الذكوري، والبيت، وخاصّة المطبخ مركز الوجود النسائي. ولعلّ استغراق النسوة في أعمال التنظيف: تنظيف الأجساد والثياب والأواني والبقول والخضر والغلال وحتى اللحوم والزوايا والأركان وغيرها معبّر عن الصلة الرمزية بين الماء والمرأة وعن حرصها على مطاردة النجاسة وتحويل المنزل إلى فضاء لا يقلّ قيمة عن المسجد. ومعنى ذلك أنّ تنظيم الفضاء ليس إلاّ تنظيما للاقتصاد والاجتماع والكون والمقدّس. ونزعم أنّ "هندسة المكان" دالّة أيضا على رغبة في الفصل بين مجتمع النساء ومجتمع الرجال،وبين عالم الذكورة وعالم الأنوثة. وما الحيلولة دون ظهور المرأة في الفضاء العمومي إلاّ علامة على الخوف من التلوّث الأنثوي.
 
ولا معنى لمنع النساء من ارتيـاد الفضاءات الخارجية - في نظرنا- سوى تحويلها من أماكن عامة، أي مشتركة بين الجنسين إلى أماكن خاصّة. وباستيلاء المجتمع عليها تصبح فضاء لاستعراض الفحولة المتخيلة في زمن ظهرت فيه هشاشة الرجال كما أنّنا نعتبر أنّ  نتائج تقييد حركة المرأة لا تتوقّف عند التأثير في بنيتها النفسية فحسب، بل تتعدّى ذلك لتشمل السيطرة على حقوقها ومجالات مشاركتها في الحياة الاجتماعية في زمن كثرت فيه المطالبة بالإصلاح وتغيير منزلة النساء.
 
برّر عدد من العلماء إقصاء المرأة عن ممارسة بعض الوظائف بأنّه راجع إلى نقصانها وضعفها، أي أنوثتها التي تجعلها محبوسة لفائدة الزوج في مقابل الرجل الذي  تميّز ب"الذكورية، وهو مظنّة الشرف والكمال، ولهذا تختص الذكور بالولايات في السياسات والشهادات والأقضية والأموال، دون النساء. فإنّهنّ ربّات حجر، وخيارهنّ ناقصات عقل ودين كما قال عليه السلام".[13]أمّا السلطة السعودية فقد أرادت، من وراء اتخاذ هذا القرار، إثبات الزعامة الدينية والظهور على الركح في وقت ظهرت فيه المنافسة على أشدّها بين السعودية راعية الإسلام السني وإيران راعية الإسلام الشيعي والتي ازداد تأثيرها في المنطقة واستطاعت أن تنال إعجاب الجموع بعد  الأحداث الأخيرة.
 وغنيّ عن البيان أنّ مثل هذه القرارات لا يفسّر في ضوء سياق الجنوح نحو الهيمنة داخل المجال الإسلامي والمجال العالمي فحسب، بل إنّ لقرار المنع صلة بمنزلة المرأة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فكلّما ارتفعت الأصوات منادية بمناهضة التمييز ضد النساء وتحقيق المساواة والكرامة والحرية وغيرها ظهرت أوامر هنا وهناك تقاوم حركة التاريخ ومشاريع الإصلاح.
ويمكن القول إنّ غاية هذا القرار التأكيد على أنّ السعودية مالكة أمر المسلمات المنتميات إلى جميع أصقاع العالم وليس أمامهن سوى الانصياع لأوامر تصدرها راعية الإسلام والمسلمين لا خيار في ذلك لتونسية أو ماليزية أو مغربية أو أو .... ولكن ماذا لو قاطعت النساء موسم الاعتمار والحجّ تعبيرا عن احتجاجهنّ على الإهانة التي لحقتهنّ؟
 


[1] المجيلدي، "كتاب التيسير في أحكام التسعير"، الجزائر، الشركة الوطنية، 1981،ص105.
[2] الغزالي، "إحياء علوم الدين"،بيروت، دار الكتاب العربي، دت، م2، ج4، ص163ـ 164.
[3] Le Breton, Les passions ordinaires: Anthropologie des émotions,Paris,1998,Armand Collin p. 177.
[4] التيفاشي، "أوصاف النساء"، دمشق، دار الكتاب العربي، دت، ص4.
[5] الغزالي، "الإحياء"، م2، ج4، ص141.
[6] ابن الجوزي، " أحكام النساء "، ص213.
[7] ابن تيمية ، "الفتاوى"، السعودية،دار عالم الكتاب،1991،ج32، ص280ـ 281.
[8] ابن الجوزي، " أحكام النساء"،  ص207. 210.، السرخسي، "المبسوط"،،بيروت،دار الكتب العلمية،1993، ج10، ص152.
[9] ابن كثير، " تفسير القرآن العظيم"،بيروت، عالم المعرفة،1980، ج1، ص448.
[10] ابن بابويه، "من لا يحضره الفقيه"، بيروت،مؤسسة الأعلمي،1986، ص256.
[11] الغزالي، "الإحياء"، م2، ج4، ص142.
[12] ابن بسام، "نهاية الرتبة في طلب الحسبة"، بيروت، دار الحداثة،1990،ص 372.
[13] البغدادي، "كتاب الفتوة"،القاهرة، مطبعة شفبق،1960، ص163. وانظر:ابن قدامة، "المغني"، بيروت، دار الكتاب العربي،1983،ج10 ،ص181.