الوان و حرمان



مثال فهد
2023 / 9 / 7

نظرت الى ابنتي و هي تغمس يديها في الألوان المائية و ترسم بأصابعها الصغيرة على الورق الملون مستغنية عن فرشاة الرسم الناعمة … هي تلعب في الألوان مثلما كنا نلعب بالطين باصابعنا، تجعل من كامل مساحة جسمها الصغير لوحة سوريالية تختلط فيها فوضى اللون مع جنون الفكرة و غرائبية الطرح … صغيرتي تتوحد مع الألوان بلا خوف .. نعم هي تشبهني في ميولها الفنية و الجمالية، و لكن زمانها ليس كزماني ، هي بلا خوف من شبح الفقر و العوز ، نفاذ الموارد ليس هاجسا يقلق أحلام طفولتها، و حفظ النعمة من الزوال ليس مسؤوليتها.
غبت عن الحاضر للحظات؛ عدت الى الوراء 30 سنة او اكثر.
عندما كنت في مثل سن صغيرتي لم اكن اعرف الألوان المائية ولا أي نوع اخر من الألوان؛ سوى تلك الأقلام الملونة التي كنت أرى زملائي يخرجونها من حقائبهم المدرسية، كانت توزع مجانا في المدرسة و اذكر اني قد حصلت على علبة منها ، و لكن امي خبأتها عني كي لا اخربها، و قالت انها ستسمح لي بإستخدامها في امتحان نهاية السنة.
كنت اطوي ايام عامي المدرسي الأول و انا احلم باليوم الذي ستحتضن اصابعي تلك الأقلام الزاهية اللامعة، كان هذا الحلم الملون يهون علي مرارة يومي المدرسي و سخرية الأطفال من شعري المربوط بخيط مطاط و ملابسي الرثة و حذائي البلاستيكي الأسود القبيح … تلك الأقلام كانت اجمل شيء رأيته في حياتي، كنت استطيع ان اشم رائحتها في كل مرة تخرجها ابنة خالي من حقيبتها في حصة الرسم ، لقد كانت بحق اغلى احلامي.
كان دوام المدرسة ينتهي عند الساعة 12 ظهرا لتبدأ من بعده معاناة كتابة الواجب البيتي ، كنت امتلك قلم رصاص واحد؛ لا ممحاة عندي ولا مبراة لذلك لم اكن امتلك رفاهية الخطأ في الكتابة مثل أي طفل يخط حروفه الأولى ، كنت اتدرب على رسم الحروف و الأرقام بأصابعي على التراب قبل ان اكتبها في الدفتر … اكتسبت براعة في الكتابة و رسم الحروف ، و بحذر شديد و بخط خفيف دون الضغط على الورق كي لا تنكسر نبرة القلم الرصاص مثلما حدث في اول مرة امسكته بها لكتابة المقطع (دا) … مازلت اذكر تفاصيل تلك الحادثة المروعة و كأنها قد حدثت بالأمس، لقد كتبت الحرف الاول (د) بسلام و بخط جميل لانني كنت قد تدربت جيدا بكتابته على التراب حتى تخدشت اصابعي، و لكنني تحمست قليلا فـ ضغطت بقوة على القلم اثناء كتابة الحرف الثاني (ا) فكسرت نبرة القلم الرصاص.
كاد قلبي ان يتوقف من هول الصدمة ، شخصت عيناي، و تدلى فكي الاسفل، سقط القلم من يدي، و لم انطق بحرف ... لم يوقضني من غيبوبتي سوى دويّ كف والدتي على خدي الايسر، لتعقبه ضربات و صفعات و ركلات متتالية على كامل خريطة جسدي النحيل المنهك من فقر الدم و سوء التغذية، كنت اطير من مكاني مع كل ضربة اتلقاها، فتضطر امي ان تسحبني بيدها القوية و تعيدني الى مسرح جريمتي بالقرب من جثة قلمي الرصاص، لتواصل افتراسها لجسدي المتهالك كخرقة قديمة .. كان منظر القلم المكسور يغذي غضبها و ينعش رغبتها بالثأر له و الانتقام مني، فتتصاعد قوة الضربات حتى بدأت افقد الشعور بالألم.
نجوت مثل كل مرة، فالاحلام تعطينا الدافع للاستمرار .. الاحلام تجعلنا نتنفس، و انا كان لدي حلم أعيش لأجله _على الأقل حتى امتحانات نهاية السنة _ فـ اقلام التلوين تنتظرني و انا لن اخذلها، بيننا موعد احترمه و لن اتخلف عنه، سأرسم بها لوحتي الأولى و اعطيها لمعلمة التربية الفنية و ستعجبها.
مرت الايام و تحسنت حالة اصابعي عندما اكتشفت إمكانية الكتابة على التراب بواسطة اعواد الثقاب المستخدمة، امي أيضا تخلصت من مشكلة تورم و احمرار كفيها حين اهتدت الى طريقة ضربي بواسطة العصا، فأصبح بإمكانها ان تنهال علي بالضرب بسخاء اكبر وبلا قلق … مرت أيام و شهور العام المدرسي الأول مخلفة بقع زرقاء و بنفسجية على جسدي، و عشرات الفكاهات البريئة التي ابدعتها مخيلات أصدقائي الصغار عني و عن حقيبتي و حذائي و تنورتي و و و و ... كان عاما طويلا مثقلا بالدموع و الخوف و الاحلام ، كان عاما مفصليا شطر حياتي الى نصفين.
حانت اللحظة المنتظرة و بدأت امتحانات نهاية السنة التي تجاوزت كل موادها بسهولة، لانني كنت قد نضجت بمراحل متقدمة عن هذه الخبرات الطفولية التي بدت ساذجة بالنسبة لخبراتي المكتسبة بالدم و الدموع و الذهول و التراب، كان امتحان التربية الفنية هو اخر يوم و بعده يتم توزيع شهادات النجاح.
يا الهي!! ستكون فرحتي اليوم مضاعفة؛ الرسم بالاقلام الملونة، ثم فرحة النجاح و بدء العطلة الصيفية.
اليوم هو يومي الموعود، طالبت امي بالوفاء بوعدها، و لكنها كانت قد حضرت لي مسبقا ما سأقدمه في امتحان التربية الفنية .. لم تكن ورقة للرسم ولا اقلامي الملونة، لقد اعطتني امي مكنسة مصنوعة من سعف النخيل، قالت ان المعلمة ستفرح بها و تقدرها اكثر، لانها بالطبع مفيدة اكثر من رسمة طفولية غبية سترمى اخيرا في سلة القمامة، كما اني قد اكسر أقلام التلوين لو استخدمها لاول مرة فأنا لا اعرف كيفية استخدامها ... نعم امي كانت محقة، انا لا اعرف كيف استخدم تلك الأقلام ، انا حتى لم يسبق لي ان لمستها من قبل.
كلا ..!! في الواقع لقد لمست احد أقلام ابنة خالي في احدى المرات عندما كانت هي منهمكة في الرسم، لقد كان القلم الأحمر، كنت اتخيل انه قلم حمرة كالتي تضعها معلمتنا ... و قبل ان اقربه من شفتي انتبهت ابنة خالي و صرخت بي: «هذا ليس للاكل يا غبية!!» ثم سحبته من يدي.

قاحلة هي الحياة بلا حلم، و مؤلم اجتثات لهفة اللقاء بعد ان امسى وهما، حتى النجاح الذي يأتي بعد خذلان يكون له طعم الهزيمة.
و بعد أيام من بدء العطلة الصيفية جاءت خالتي لزيارتنا بصحبة أولادها الخمسة و كان اصغرهم طفل مدلل، مزعج و كثير البكاء .. يبذلون أي شيء لإسكاته، بادرت امي بإعطاءه دفتر ازرق جميل مليء بالملصقات الملونة، كانت قد اهدته لي احدى قريباتنا في يومي المدرسي الاول، فأخذته امي و خبأته في صندوقها الخشبي القديم ولم اره من يومها .. حسنا ربما هذا الطفل المزعج يستحقه اكثر مني، ماذا سأفعل أنا بدفتر جميل كهذا؟!
و لكن ما هذا؟ امي تعطي شيء آخر لإبن خالتي .. إنها علبة أقلام التلوين .. نعم إنها اقلامي الحلم !!
لقد قدم حلمي اليوم كقربان لتهدأة ابن خالتي المدلل، ذلك الرضيع الذي لم تتخدش أصابعه من الكتابة على التراب استطاع ان يقطف حلمي بلا عناء.
سكت الصغير قليلا و انشغل بالشخبطة على الورق و تمزيقه و تكسير الأقلام الملونة و الكل كان يضحك و يشجع و يصفق ... منذ ذلك اليوم ادركت ان الأقلام و الاحلام ليست غالية، ولا تحتاج ان ندمي اصابعنا الناعمة لنحصل عليها.
اغلقت تلك الهوة السوداء التي تسربت من خلالها رياح الماضي المسمومة، و عدت الى حاضري الجميل المكتنز بفوضى الوان طفلتي التي لم اخلف معها وعدا ، و لن افعل ما حييت ... "صغيرتي هل تعجبك هذه الالوان؟ هل تريدين المزيد من الورق؟ هل تودين الرسم على الجدران او الارضية؟ لوني عالمك بالوان أحلامك البريئة كما تشاءين، لن اسمح لأحد ان يسرق أحلامك يا مدللتي"