![]() |
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
![]() |
خيارات وادوات |
إكرام فكري
!--a>
2025 / 2 / 5
لم يعد استغلال المرأة في الإعلانات التجارية مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى استراتيجية تسويقية ممنهجة تهدف إلى جذب المستهلك بأي وسيلة ممكنة. لم يعد الأمر مقتصرًا على مستحضرات التجميل أو الملابس، بل امتد ليشمل منتجات لا علاقة لها بالمرأة بشكل مباشر، مثل السيارات، الساعات، والأجهزة الإلكترونية. في هذا السياق، لا يتم تقديم المرأة كمستهلكة فعلية لهذه المنتجات، بل كعنصر جمالي يُستخدم لاستدراج الانتباه وزيادة المبيعات.
تعتمد الإعلانات بشكل كبير على الصورة المرئية، حيث تدرك الشركات أن الجاذبية الجسدية وسيلة فعالة في التأثير على سلوك المستهلكين. من هنا، أصبح إبراز الجسد عنصرًا أساسيًا في العديد من الحملات التسويقية، بغض النظر عن مدى ارتباطه بالمنتج. هذا الأسلوب لا يُسهم فقط في تحويل المرأة إلى سلعة، بل يعزز معايير جمال غير واقعية تُفرض عليها باستمرار، ما يجعلها تعيش تحت ضغط دائم لمطابقة هذه الصورة المثالية.
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت حدة هذه الظاهرة، حيث بات من الصعب تجنب المقارنة المستمرة مع الصور المثالية التي يتم الترويج لها. هذه الصور، التي غالبًا ما تخضع للتعديل، تخلق توقعات غير واقعية حول الجمال، مما يدفع العديد من النساء إلى اللجوء إلى عمليات التجميل، اتباع حميات غذائية صارمة، والشعور بعدم الرضا عن مظهرهن الطبيعي. وبدلًا من أن تكون المرأة قادرة على تحديد معايير جمالها بنفسها، أصبحت أسيرة لصورة تسويقية صنعتها الشركات لتحقيق الأرباح، ليس فقط عبر استهداف الرجال، ولكن أيضًا بجعل النساء أنفسهن مستهلكات لهذا الوهم.
المفارقة أن تلك الأفكار التي رفعت شعارات الحرية الشخصية قدمت للمنظومة الاستهلاكية فرصة لاستغلال المرأة بشكل أكبر. تحت ستار التحرر، تم دفعها إلى الاعتقاد بأن إبراز الجسد هو شكل من أشكال القوة، بينما الحقيقة أنه أصبح وسيلة لتحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة. الحرية الحقيقية لا تعني أن تتحول المرأة إلى أداة تسويقية، بل أن تكون قادرة على اختيار كيف تقدم نفسها دون ضغوط خارجية. غير أن الواقع اليوم يُظهر أن الكثير من النساء لم يعدن يمتلكن هذا الخيار، بل يُفرض عليهن نموذج محدد للجمال والسلوك، وإلا فهن خارج معادلة القبول الاجتماعي.
إلى جانب ذلك، انعكس هذا التوجه على مفهوم الأسرة، حيث أصبح يُنظر إلى الزواج والأمومة أحيانًا كقيود تعيق الاستقلالية. في بعض المجتمعات، ساهمت هذه الأفكار في ارتفاع معدلات الطلاق، تأخر سن الزواج، وزيادة الأسر ذات العائل الواحد. بدلًا من تعزيز مبدأ التفاهم والتكامل بين الرجل والمرأة، تم الترويج لفكرة أن الفرد لا يحتاج إلى شريك أو عائلة، وأن النجاح مرتبط فقط بالاستقلال التام. هذا التحول لم يؤثر فقط على العلاقات الزوجية، بل انعكس أيضًا على الأطفال، الذين أصبحوا أكثر عرضة للمشكلات النفسية والاجتماعية بسبب عدم استقرار الأسرة.
في المجتمعات العربية، التي لها خصوصياتها الثقافية والدينية، لا يمكن تبني الأفكار القادمة من بيئات مختلفة دون مراعاة السياق المحلي. العلاقة بين الرجل والمرأة ليست معركة لإثبات الذات، بل شراكة تقوم على التعاون والتكامل. إن اختزال قضايا المرأة في منافسة مستمرة يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يتحول التفاعل بين الجنسين إلى مواجهة بدلًا من أن يكون مبنيًا على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
في الوطن العربي، هناك تحديات أكثر إلحاحًا من الجدل حول الأدوار الاجتماعية، مثل الفقر، البطالة، الفساد، وضعف الخدمات الأساسية. في ظل هذه الظروف، يصبح التركيز على الصراعات الهامشية أمرًا ثانويًا، بل وأحيانًا مضللًا، لأنه يحوّل الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تمس حياة الجميع، رجالًا ونساءً. ما تحتاجه المرأة ليس صراعًا مفتعلًا، بل بيئة عادلة توفر لها فرصًا متكافئة في التعليم والعمل والحياة الاجتماعية، دون أن يكون ذلك على حساب استقرار المجتمع والأسرة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|