![]() |
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
![]() |
خيارات وادوات |
إكرام فكري
!--a>
2025 / 2 / 4
شهدت العقود الأخيرة تحولات جوهرية في النظرة المجتمعية إلى دور المرأة، حيث تصاعدت دعوات التحرر من الأدوار التقليدية مثل الزواج والأمومة، باعتبارها قيودًا تحد من استقلال المرأة وتطورها. في المقابل، برزت صورة جديدة للمرأة تركز بشكل مفرط على استقلاليتها المهنية والشخصية، لكنها في الوقت ذاته أفرزت أشكالًا جديدة من التحديات، من بينها الاستغلال الاقتصادي والجمالي الذي أضعف مفهوم التحرر الحقيقي.
أحد أبرز المفارقات التي أفرزتها هذه التحولات هو استغلال المرأة في الإعلانات التجارية ووسائل الإعلام، حيث أصبحت تُستخدم كأداة تسويقية أكثر من كونها فاعلًا اجتماعيًا مستقلًا. لم يعد توظيف المرأة في الإعلام مقتصرًا على المجالات التي تعكس قدراتها الفكرية أو المهنية، بل تحول إلى استغلال لصورتها الجسدية كوسيلة لجذب المستهلكين وزيادة المبيعات. هذا الاتجاه لم يقتصر على الإعلانات التقليدية، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم الترويج لمنتجات متعددة عبر تسليع المظهر الخارجي للمرأة، بغض النظر عن جوهرها الفكري أو الثقافي.
هذه الظاهرة لم تؤد فقط إلى ترسيخ معايير جمال غير واقعية، بل فرضت على المرأة ضغوطًا متزايدة للحفاظ على صورة مثالية تتسم بالكمال الجسدي، ما أدى إلى انتشار ظواهر مثل الهوس بعمليات التجميل، واتباع أنظمة غذائية صارمة، فضلًا عن التأثير النفسي السلبي الناجم عن مقارنة النساء أنفسهن بصور نمطية غير قابلة للتحقيق. وهكذا، فإن ما قُدّم في البداية باعتباره تحريرًا للمرأة، تحول في الواقع إلى قيد جديد يخضعها لمعايير استهلاكية تكرس عدم الرضا عن الذات.
إلى جانب الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه التحولات، برزت إشكالية أخرى تتعلق بمفهوم الأسرة والعلاقات الاجتماعية. فقد أصبحت بعض الخطابات المعاصرة تطرح الزواج والأمومة باعتبارهما معوقات أمام الاستقلالية، مما أدى في بعض المجتمعات إلى ارتفاع معدلات الطلاق، وتأخر سن الزواج، وزيادة عدد الأسر ذات العائل الواحد. هذه الظواهر لم تؤثر فقط على المرأة، بل انعكست على الأطفال والمجتمع ككل، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن الاستقرار الأسري يلعب دورًا محوريًا في الصحة النفسية والاجتماعية للأفراد.
المفارقة هنا أن الدعوة إلى استقلالية المرأة لم تؤد دائمًا إلى تحقيق توازن صحي بين حياتها المهنية والشخصية، بل في بعض الأحيان أسهمت في خلق تحديات جديدة، من بينها غياب الدعم المجتمعي للأمهات العاملات، وزيادة الضغوط المزدوجة بين متطلبات العمل والتزامات الأسرة. وهكذا، فإن تجاوز الإطار التقليدي لدور المرأة ينبغي أن يتم وفق رؤية متوازنة، تعترف بأهمية الاختيار الفردي، دون أن تؤدي إلى تهميش القيم الأسرية التي تظل عنصرًا أساسيًا في استقرار المجتمعات.
في سياق المجتمعات العربية، التي تمتلك خصوصيات ثقافية ودينية، يصبح من الضروري تبني مقاربة تراعي السياق المحلي، بدلًا من استنساخ نماذج خارجية لا تتماشى مع الواقع الاجتماعي. فالمرأة في هذه المجتمعات ليست بحاجة إلى ثورة على القيم الأسرية بقدر ما تحتاج إلى إصلاحات حقيقية تضمن حقوقها في مجالات العمل والتعليم والمشاركة السياسية، دون أن يكون ذلك على حساب استقرارها الأسري أو النفسي.
إن تحقيق التمكين الحقيقي للمرأة لا ينبغي أن يقتصر على منحها حقوقًا قانونية أو اقتصادية، بل يجب أن يشمل أيضًا حماية المرأة من الاستغلال التجاري، وتعزيز سياسات داعمة تساعدها على تحقيق التوازن بين حياتها المهنية والشخصية. فمن حق المرأة أن تختار مسارها بحرية، لكن هذه الحرية لا ينبغي أن تُستغل لأغراض تسويقية أو تُحول إلى أداة ضغط اجتماعي تفرض عليها معايير غير واقعية.
في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق نموذج يضمن للمرأة حرية الاختيار والاستقلال، دون أن يؤدي ذلك إلى تهميش دورها الاجتماعي أو استغلالها بصورة جديدة. فالتوازن بين حقوق المرأة واستقرار المجتمع لا ينبغي أن يكون معادلة صفرية، بل يجب أن يكون هدفًا مشتركًا يسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة واستدامة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|