العنف الأسري ضد الأطفال: جريمة صامتة تهدد مستقبل المجتمع



رقية الخاقاني
2025 / 2 / 7

في ظل التطورات التي يشهدها العالم في مجال حقوق الإنسان، لا تزال قضية العنف الأسري ضد الأطفال تشكل تحديًا كبيرًا للمجتمعات. هذه الظاهرة ليست مجرد انتهاك لحقوق الطفل، بل هي جريمة صامتة تُهدد استقرار الأسر وتُعيق تقدم المجتمعات. الأطفال، الذين يُفترض أن يكونوا رمزًا للبراءة والأمل، يتحولون في بعض الأحيان إلى ضحايا لسلوكيات عنيفة تُمارس داخل جدران منازلهم، مما يترك آثارًا نفسية وجسدية عميقة قد تستمر معهم طوال حياتهم.
العنف الأسري ضد الأطفال يتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من الإيذاء الجسدي الذي يشمل الضرب أو الحرق، وتمتد إلى الإساءة النفسية التي تتجسد في الإهانة والتهديد والإهمال العاطفي. ولا تقتصر هذه الممارسات على العنف الظاهري، بل تشمل أيضًا الاعتداءات الجنسية التي تُعد من أخطر أشكال العنف، حيث تترك ندوبًا عميقة في نفسية الطفل وتُعرض صحته الجسدية للخطر. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر الإهمال أحد أشكال العنف الخفية، حيث يُحرم الطفل من الاحتياجات الأساسية مثل الطعام، المأوى، التعليم، أو الرعاية الصحية.
آثار العنف الأسري على الأطفال لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد إلى صحتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي. الأطفال الذين يتعرضون للعنف غالبًا ما يعانون من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. كما أنهم يواجهون صعوبات في التحصيل الدراسي بسبب فقدان التركيز والثقة بالنفس. في بعض الحالات، يتحول الأطفال الذين يتعرضون للعنف إلى أشخاص عدوانيين، حيث يميلون إلى تقليد السلوك العنيف الذي عانوا منه، مما يجعلهم أكثر عرضة لارتكاب العنف في المستقبل. بالإضافة إلى ذلك، يواجه هؤلاء الأطفال صعوبات في بناء علاقات اجتماعية سليمة بسبب فقدان الثقة بالآخرين والخوف من التقرب منهم.
وأن أسباب انتشار العنف الأسري ضد الأطفال متعددة ومتشعبة. في بعض الأحيان، يكون غياب الوعي بخطورة العنف على نفسية الطفل ومستقبله هو السبب الرئيسي. كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، مثل الفقر والبطالة، قد تزيد من حدة التوتر داخل الأسرة، مما يؤدي إلى تفريغ هذا التوتر عبر العنف. في ثقافات أخرى، تُعتبر بعض أشكال العنف وسيلة مقبولة لتربية الأطفال، مما يعزز من استمرار هذه الممارسات. بالإضافة إلى ذلك، يُلاحظ أن ضعف القوانين أو عدم تطبيقها بشكل فعال يساهم في تفشي هذه الظاهرة.
ولمواجهة العنف الأسري ضد الأطفال، يجب اتخاذ إجراءات متعددة على مستويات مختلفة. كزيادة الوعي بخطورة العنف الأسري من خلال حملات تثقيفية تستهدف الأسر والمجتمعات. وتعزيز القوانين التي تجرم العنف ضد الأطفال وضمان تطبيقها بشكل فعال. وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يتعرضون للعنف، لمساعدتهم على تخطي الصدمات التي مروا بها. وأخيرًا، يجب تمكين الأطفال من خلال تعليمهم حقوقهم وكيفية الإبلاغ عن أي شكل من أشكال الإساءة التي يتعرضون لها.
وفي الختام، يُعتبر العنف الأسري ضد الأطفال قضية مجتمعية تحتاج إلى تضافر الجهود للقضاء عليها. حماية الأطفال من العنف ليست فقط مسؤولية الأسر، بل هي مسؤولية الحكومات، المؤسسات التعليمية، والمنظمات الحقوقية. فلنعمل معًا لضمان بيئة آمنة وصحية لأطفالنا، لأنهم مستقبلنا وأملنا في غدٍ أفضل.