التربية السليمة للأبناء : بين التوجيه والحرية



محفوظ بجاوي
2025 / 2 / 10

تعتبر التربية أحد أهم العوامل في تشكيل شخصية الأبناء، ويجب أن توازن بين تقديم التوجيه السليم ومنحهم الحرية المناسبة للنمو والتطور. في مرحلة النمو، يتأثر الأبناء بالعوامل الخارجية مثل المجتمع، التكنولوجيا، واختلاطهم مع ثقافات متنوعة. لذا، يكون من الضروري أن يدرك الآباء أهمية الدور الذي يلعبونه في توجيه أبنائهم وتثقيفهم، بعيدًا عن فرض العادات والتقاليد بشكل قسري.
دراسة أجراها الباحثان Baumrind وLamborn في 1991 بينت أن التوازن بين الحرية والرقابة يعزز استقرار الأبناء النفسي والاجتماعي.

التربية يجب أن تقوم على مبدأ التعليم والتوجيه بدلًا من الإجبار، ففرض العادات والتقاليد بشكل مفرط قد يؤدي إلى مقاومة الأبناء في مرحلة لاحقة من حياتهم. ففي حال كان الأبناء يشعرون بأنهم مجبرون على اتباع عادات معينة أو تقييدهم بتقاليد صارمة، قد يطورون مشاعر الرفض تجاه تلك العادات. في النهاية، قد يصلون إلى مرحلة من التمرد على كل شيء تربوا عليه، بما في ذلك الدين والعادات الاجتماعية.
دراسة أُجريت على المراهقين في 2003 من قبل Steinberg وMounts أكدت أن التوجيه المعتدل من الآباء يحسن من القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، ويسهم في تحقيق النجاح الأكاديمي والاجتماعي.

لذلك، من المهم أن نتبنى التربية التي تمنح الأبناء فرصة للتفكير بحرية، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية التي نشأوا عليها. يمكن تحفيزهم على اتخاذ قرارات مستقلة من خلال التوجيه، والنقاش، والاستماع لآرائهم، مما يساعد في تطوير شخصيتهم بشكل متوازن ويعزز من قدرتهم على التكيف مع العالم من حولهم.
كما أكدت دراسة Dweck في 2007 على أهمية تعليم الأطفال أن القدرات يمكن أن تتطور من خلال العمل الجاد والتعلم من الأخطاء، مما يعزز مرونتهم في التعامل مع التحديات.

من تجربتي مع أولادي في أحد الأيام، قال لي ابني البكر: "بابا خلينا نغلطو باش نتعلمو". ليلتها لم أنم وقد فكرت في معاقبته، لكن بعد تفكير طويل واسترجاع بعض الذكريات من صغري، تأكدت أنه كان على صواب. كان من واجبي أن أسمح له بالتجربة بنفسه، وأن أترك له مساحة ليخطئ ويتعلم منها، بدلاً من أن أملي عليه تجاربي الشخصية فقط.
دراسة نشرتها مجلة Child Development في 2011 أظهرت أن السماح للأطفال باتخاذ قراراتهم وتحمل نتائجها يعزز مهارات التفكير النقدي واتخاذ القرارات لديهم.

واصلت مع بقية أبنائي، ثلاثة ذكور وبنتين، بتوجيههم بطريقة مشابهة. الجميع خريجو جامعات، وكلهم يعيشون في استقرار أسري تام. أثبتوا لي أن السماح لهم بالتعلم من أخطائهم والتوجيه بشكل مناسب كان له أكبر الأثر في تشكيل شخصياتهم، وأنهم قادرون على مواجهة تحديات الحياة بثقة ونجاح.
دراسات عدة أظهرت أن الأبناء الذين يتمتعون بتوجيه مرن ومستقل ينشئون في بيئة صحية ومستقرة عاطفيًا.

باختصار، التربية السليمة تقوم على التوازن بين الحرية والمسؤولية، والابتعاد عن فرض القيم والعادات القسرية. هذا سيساعد الأبناء على الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية من جهة، وفي نفس الوقت سيمكنهم من اتخاذ قراراتهم الشخصية بثقة واستقلالية في المستقبل.
الدراسات أظهرت أن الأبناء الذين تربوا في بيئة ديمقراطية، توازن بين الحرية والإشراف، يظهرون قدرة أكبر على التكيف مع التحديات الاجتماعية والمهنية.