نداء إلى العجزة



عبد الاله الحلوي
2025 / 2 / 22

تتشدق جميع دول العالم برعاية فئة الأطفال والشباب من مواطنيها، لأنهم ببساطة يشكلون رهانها من أجل مستقبل أفضل. ومنطلقها في ذلك أن طفل اليوم هو شاب المستقبل. طفل اليوم هو حامل قيم الوطن، وأحلامه، وتطلعاته، وأمل غده. فالجيل الحالي من المواطنين الكهول والمتقدمين في السن، والعجزة، عليهم الإنتباه جيدا إلى مسألة يتغافلون عنها عنوة، وهي أن العالم ليس ملكهم لوحدهم فقط، ولكنه ملك الأجيال القادمة أيضا من الأطفال الذين ولدوا حديثا، ومن الذين سيولدون مستقبلا. عليهم التفكير في تقاسم الخيرات والثروات مع الأجيال التالية كما وكيفا، عليهم ترك النصف وأكثر. عليهم التوقف فورا عن حصد الأخضر واليابس من الخيرات.
لكن لماذا أيها العجزة ترفضون ترك ما بأيديكم للشباب؟ هل فعلا ما قلتم عن الشباب صائب؟ ألم تنظروا إلى الشباب من زاوية الدونية والاحتقار؟ كيف جعلتم الشباب عنوان التسرع، والجهل، وانعدام الخبرة، والطيش، وغياب الحكمة؟ أيها العجزة! سلموا للشباب ما يستحقون من مسؤوليات، دعوهم يقودون العالم. أيها العجزة! قرون وقرون وأنتم تمسكون بزمام الأمور، ماذا تحقق؟ ألم تجعلوا هذا العالم مليئا بتفاهاتكم؟ ألم تجعلوه سجنا كبيرا لأحلام الشباب؟ لنمنح الشباب حقهم. وإلا فعلينا التوقف جميعا عن ولادة أطفال جدد، علينا التوقف عن تقديم قرابين جديدة للعذاب والمعاناة والدموع. علينا دفن أجهزتنا التناسلية إلى الأبد. لكن مشكلة العالم الحالية هي نبذ روح الشباب، ومدح أنانية الشيوخ، والتمسك بخبرة العجزة المقيتة. أنا عجوز حكيم، وبعدي الطوفان هي روح العالم المعاصر. ماذا فعلتم أيها الكهول والعجزة لأطفالكم وشبابكم ؟ لماذا أيها البؤساء تنجبون بؤساء آخرين، وأنتم تعلمون أنكم لم ولن تتركوا لهم شيئا؟ لم ولن تقدموا لهم شيئا سوى بقايا موائدكم البئيسة، وانكسارات أرواحكم المعذبة؟ ألستم أنتم أيضا ضحايا الأجيال التي عاشت قبلكم؟ فماذا ستقدم ضحية قديمة لضحية جديدة ؟

لا شك أنه ليس بإمكاننا تجاوز وتغيير حقائق كثيرة، بخصوص ما كان و ما هو كائن، ولكن الحقيقة الوحيدة التي نملك تغييرها نسبيا هي ما سيكون. مستقبل الأجيال القادمة في أيدي الأجيال الحالية. لا ينبغي على الجيل المعاصر أن يكون مهزوما ومعطوبا ومسلوب الإرادة مثل الأجيال السابقة، وإلا فماذا سيصنع لأطفاله وشبابه؟ لا يمكن أن نمشي في نفس طريق أجدادنا، أو ندور في نفس الدائرة المغلقة؟ أو نعيش في جلباب آبائنا؟
أيها العجزة! أحلام الشباب بسيطة جدا، فهي لا تخرج من دائرة الحقوق الأساسية لأي مواطن في كل الدول الديمقراطية التي تحترم حقوق جميع مواطنيها. إنها حقوق الكرامة الإنسانية بالدرجة الأولى. عمل، منزل، سيارة، أسرة، صحة، عدل، مساواة. من أبجديات وواجبات الدولة الفعلية. لكن الدولة الفاسدة أو شبه الدولة أو دولة القرون الوسطى. لا تكثرت لشبابها، وإنما تمعن في تحطيم أحلامهم على صخرة الفساد والإستبداد وصم الأذان عن الإنصات لعذاب تلك الأرواح المسكينة. عذاب ومعاناة تظهر في وجوه الشباب، فتسقط دموعهم من الأعين الذابلة. ذلك الشاب الذي يخزن طاقات ومواهب خلاقة، يحتاج فقط إلى ذلك المجال الذي يعبر فيه عن طاقته، وموهبته وإمكانياته. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ عليه أن يعمل ليحقق وجوده الطبيعي، ويصنع كينونته الحقيقية. لأنه مواطن فاعل ومبدع وخلاق. رغم ذلك فهو عاجز وعاطل. أو بالأحرى تم تعجيزه وتعطيله.
ماذا سيفعل؟ فهو لم يعثر على تلك الدولة الديمقراطية التي توفر له المجال الضروري لإبراز ذاته، وتمنحه تعليما حقيقيا وعملا مناسبا. لكن الدولة الفاسدة وفرت للبعض ذلك المجال وليس للجميع. وفرت للأقلية العاجزة كل شيء، وسلبت من الشباب كل شيء. سلبت منهم أهم ما يملكون من أرواحهم وتركتهم متلاشيات، مجرد أجساد متعبة، وعقول خامدة، ومستقبل بعيد جدا.