النَّظْرَةُ الشَّرْقِيَّةُ



مارتن كورش تمرس لولو
2025 / 12 / 23

العديدُ مِنَّا، نحنُ الشَّرقيِّينَ المُقيمينَ في دولِ أوروپَّا، حينما نَتسوَّقُ، أو نكونُ على متنِ حافلةٍ لنقلِ الرُّكَّاب، أو في مقهى عائليٍّ (كوفي شوب)، أو حين نخرجُ للتنزُّه… إلخ، نرى الرَّجُلَ مِن بيننا، حتّى لو كان مع زوجته، لا تستقرُّ له رقبةٌ ولا يسكنُ له رأسٌ؛ بل ترى رقبته تتحرَّك يمينًا وشمالًا، ورأسه يدورُ إلى جميعِ الجهات، كأنَّه قد رُكِّبَ بدلَه رادارٌ.
ولو سألته زوجته عن سببِ إلقائه بنظراته العديدة والمتعاقبة على كلِّ امرأةٍ تمرُّ من أمامهما، أو من جانبهما، أو تُقابلهما، وفي هذه الأخيرة تراه يديرُ قامته ورأسه إلى الخلف، وهو ينظرُ إلى التي مرَّت توًّا من أمامه، يُجيبها بكذبٍ ومكر:
- أُشبِهُ بها… أتصوَّرُ أنَّها موظَّفةٌ في دائرةِ أ... أ... أ…
وكيفَ إذا كان الفصلُ صيفًا؟ تراه لا يُفوِّتُ نظرةً، وهو يحترقُ شهوةً، ويتحسَّرُ ويلعنُ ويشتم…
ونفسُ هذا الرَّجل، حين ينتقلُ إلى دولةٍ أوروبيَّةٍ، إمّا عن طريقِ اللُّجوء أو وفقَ عقدِ عملٍ، تراه يُمارسُ التصرُّفاتِ ذاتها التي تعلَّمها في الشرق، وقد نسيَ أنَّ زوجته لم تَعُد تلك المسكينةَ التي كانت فاقدةً للقوَّةِ والحيلة.
ففي دولِ أوروپَّا تجدُ المرأةَ الدولةَ نصيرًا لها؛ إذ فتحت لها، ولفلذاتِ كبدها، ذراعيها مادّيًّا ومعنويًّا، لتحتضنها مع أولادها بعد أن تُطلَّق من زوجها الذي لم يسعَ إلى تغيير سلوكه، بل ظلَّ على تصرُّفاته نفسها، لا يحترم زوجته، بل يُهينها ويمارسُ العنفَ ضدَّها.
لذلك تجدُ المرأةُ نفسَها غيرَ قادرةٍ على تحمُّله، فتتركُ بيتَ الزوجيَّة، وتُسارعُ إلى طرقِ بابِ بلديَّةِ المدينةِ الأوروپِّيَّةِ التي تُقيمُ فيها. ولا تتأخَّر هذه الأخيرةُ في توفيرِ شقَّةٍ سكنيَّةٍ لها ولأولادها، وتغدقُ عليهم مخصَّصاتِ المعيشة، وتؤمِّنُ لهم الرعايةَ الاجتماعيَّةَ والصحِّيَّة، ومصاريفَ التنقُّل، والتربيةَ والتعليم، والمأكلَ والمشرب.
قبلَ أن أُدافِعَ عن المرأة، أُنَبِّهُ الرَّجُلَ الشَّرقيَّ وأحثُّه على تغييرِ أفكارِه، كي تتغيَّرَ تصرُّفاتُه، فيحافظَ على زوجتِه وأولادِه. فالمرأةُ التي اقترنَ بها سنينَ طويلة، وعاشت معهُ عمرًا، ليس من العدلِ أن يتجاوزَ عليها في بلدِ الغربة، وألّا يحترمَها لأنَّ جمالَها لا يصلُ إلى مستوى جمالِ المرأةِ الغربيَّة.
لقد نسيَ أنَّ الأخيرةَ قد وفَّرت لها الدولةُ الأوروپِّيَّةُ كلَّ متطلَّباتِ الحياة منذ ولادتها، بل وهي لم تزلْ جنينًا في رحمِ أمِّها، إلى أن بلغتْ سنَّ الرُّشد. فالمرأةُ الأوروپِّيَّةُ لم تعشْ حصارًا، ولم ترَ ظلمًا، ولم تجُعْ يومًا، ولم تُغصَبْ من زوجٍ على ما لا تُريد، ولم تُهَن من قريبٍ أو بعيد.
أمَّا المرأةُ الشَّرقيَّة، فقد عاشتِ الظلمَ منذ أن فتحتْ عينيها على وجهِ الحياة؛ لتعيشَ حياتَها مسلوبةَ الحقوق، مُحمَّلةً بالواجبات، ومحرومةً من كلِّ جديد.
يا رجل، كُن مُخلِصًا، وأحبِبْ زوجتَكَ، وارعَ أولادَكَ، وأغمِضْ عينيكَ عن كلِّ نظرةٍ حُبلى بالشهوةِ الجنسيَّة. "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ." (متى 5: 29). الشهوة الجسدية التي أنستكَ أقرب الناس إليكَ وهي زوجتكَ شريكة حياتكَ رفيقة عمركَ. هيَّا يا رجلُ كن عادلًا، محبًا، طيبًا، مخلصًا وسفيرً لبلدكَ في بلاد المهجر.
المحامي والقاص