المرأة في العصر الحديث – السياسات، العولمة، النقد، والمستقبل



محمد بسام العمري
2025 / 12 / 28

إذا كانت الحلقة الأولى قد تتبّعت المسار التاريخي لتمكين المرأة عبر الحضارات، فإن الحلقة الثانية تتناول المرأة في قلب العصر الحديث: عصر السياسات العابرة للحدود، والعولمة الرقمية، والتحديات النفسية والاجتماعية، وصراع الهويات، وولادة أدوار جديدة فرضها التحوّل العالمي في الاقتصاد، والإعلام، والمعرفة.
هذه الحلقة تجمع بين الدراسات العلمية، الشهادات السياسية والحقوقية، وتحليل معمّق لواقع المرأة اليوم، من أجل تقديم صورة واقعية عن تمكينها، بعيدًا عن المثالية أو التهويل.

المرأة في السياسات الحديثة
التشريعات الدولية ودورها في تمكين المرأة
منذ منتصف القرن العشرين، بدأت الأمم المتحدة ومؤسساتها تبني سياسات دولية لحماية وتمكين المرأة، ومن أبرزها:
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW – 1979)
وصفها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان بأنها:
"الميثاق العالمي لحقوق المرأة، والوثيقة التي وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية نصفه الآخر."
الدراسة القانونية – جامعة كامبريدج (2020)
خلصت إلى:
“الدول التي صادقت فعليًا على CEDAW مع تطبيق بنودها شهدت انخفاضًا بنسبة 34% في أشكال التمييز القانوني ضد المرأة.”
التمثيل السياسي للمرأة
ارتفعت نسب مشاركة المرأة السياسية خلال العقدين الأخيرين:
البرلمانات العالمية (تقرير IPU لعام 2024):
بلغت نسبة النساء في البرلمانات العالمية 26.9%، مقارنة بـ 11% عام 1995.
الحكومات التنفيذية:
هناك 31 دولة تضم وزيرات يفوق عددهن عدد الوزراء الرجال.

تقول جاسيندا أرديرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة:
“عندما تدخل المرأة السياسة، لا يتغير شكل السلطة فقط، بل تتغيّر طبيعة القرارات.”

دخول النساء السياسة أدّى إلى نمو سياسات اجتماعية مثل:
دعم الأمومة – إصلاح التعليم – مكافحة العنف – المساواة في الأجور.
لكن ما يزال هناك حضور شكلي في بعض الدول دون صلاحيات حقيقية.

المرأة والاقتصاد الرقمي والعولمة
الاقتصاد الرقمي: فرصة أم تحدّي؟
دراسة البنك الدولي (2023)
النساء هنّ الأكثر استفادة من التحوّلات الرقمية، خصوصًا في البلدان النامية، حيث تمكّن 18 مليون امرأة من إطلاق مشاريع عبر الإنترنت خلال خمس سنوات.

العالم الرقمي سمح للمرأة بـ:
تأسيس مشاريع بدون رأس مال كبير.
العمل من المنزل.
الوصول إلى أسواق عالمية.
تجاوز الحواجز الاجتماعية التقليدية.
لكن في المقابل ظهرت تحديات:
ارتفاع مستويات العنف الرقمي.
استغلال صور النساء وملفاتهن.
الفجوة التقنية بين المرأة والرجل في بعض الدول.

العولمة وتحولات سوق العمل
دراسة منظمة العمل الدولية (ILO – 2022)
مشاركة المرأة زادت عالميًا بنسبة 14% بفضل العولمة، لكن الأجر ما يزال أقل بنسبة 18% عن الرجل في الوظائف ذاتها.

تقول كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي:
“عندما تزداد مشاركة النساء في سوق العمل، تزدهر الاقتصادات قبل أن تتغيّر المجتمعات.”

تحرر المرأة الاقتصادي مرتبط بشكل مباشر بتحررها الاجتماعي.
المرأة اليوم لم تعد “تابعًا اقتصاديًا”، بل مساهمة مستقلة في رأس المال المعرفي.
من العوائق:
محدودية الوصول للتمويل – التنميط المهني – العبء المنزلي المزدوج.

التحديات النفسية والاجتماعية للمرأة الحديثة
ازدواجية الأدوار وضغوط الحياة
دراسة جامعة ستانفورد (2021)
74% من النساء العاملات يشعرنّ بضغط نفسي نتيجة الجمع بين الأعباء المنزلية والعمل.
صورة المرأة في الإعلام الحديث
المرأة محاصرة بين نموذجين متناقضين:
نموذج “المرأة الخارقة” القادرة على كل شيء.
ونموذج “الجسد المستهلك” في الإعلانات والمنصات.

تقول الكاتبة نعومي وولف في كتابها “The Beauty Myth”:
“الجمال أصبح قيدًا جديدًا يخضع المرأة لمنطق السوق.”

الإعلام يُعيد تشكيل وعي المرأة بذاتها.
يؤثر على قيمتها الذاتية وصحتها النفسية.
يجعلها تبحث عن “الكمال” بدل تطوير الذات الحقيقية.

نقد الحركة النسوية – إيجابيات وسلبيات
الإيجابيات
دفعت نحو تغيير القوانين.
أسقطت أعرافًا كانت تُعتبر مقدسة.
وسّعت مفهوم الحرية الفردية.
حرّرت جسد المرأة من السياسات الاجتماعية المفروضة عليه.
السلبيات
بعض التيارات اتجهت نحو العداء للرجل بدل المساواة.
تجاهلت قيم المجتمعات التقليدية.
قدّمت خطابًا مثاليًا يصعب تطبيقه في الواقع العربي.
ساهمت بعض الفئات في خلق صراع جنساني أكثر من صناعة حوار.

تقول الباحثة الفرنسية إليزابيث بادينتر:
“النسوية التي تُبنى على كراهية الرجل ليست تحررًا، بل تبادلًا للأدوار في لعبة السلطة.”

شهادات من منظمات دولية حول واقع المرأة اليوم
الأمم المتحدة – تقرير UN Women 2024
45% من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف في حياتهن.
زيادة تمثيل النساء في المناصب العليا يقلل من الفساد العام بنسبة 30%.
النساء أكثر قدرة على قيادة سياسات السلم المجتمعي بعد النزاعات.
منظمة الصحة العالمية (WHO)
الأمراض النفسية المرتبطة بالضغط الاجتماعي أكثر انتشارًا بين النساء بنسبة 40% مقارنة بالرجال.
اليونسكو (2023)
نسبة النساء في مجالات STEM (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات) لا تتجاوز 31% عالميًا.
________________________________________
رؤية مستقبلية – إلى أين تتجه المرأة خلال العقود القادمة؟
سياسات المستقبل
يتوقع الباحثون أن تتركز سياسات تمكين المرأة خلال العقد القادم على:
حماية المرأة من العنف الرقمي.
دعم المشاركة السياسية الحقيقية.
تعزيز التعليم التقني للبنات.
إعادة هيكلة قوانين العمل لدعم التوازن الأسري.
2. المرأة والذكاء الاصطناعي
دراسة MIT (2024)
الذكاء الاصطناعي سيخلق فرصًا هائلة للنساء خصوصًا في التحليل، الإدارة، والأعمال المستقلة.
التعايش بين الأدوار التقليدية والحديثة
المرأة الحديثة ليست بحاجة لقطع صلتها بتقاليدها، بل لإعادة تعريفها بما يناسب:
الحرية الفردية،
الكرامة الإنسانية،
الحق في تقرير المصير،
والمشاركة الكاملة في المجتمع.


تُظهر الحلقتان أن المرأة ليست حكاية ثابتة، بل مسيرة تحوّل عمرها آلاف السنين. وأن الحرية والمساواة ليستا هدية من المجتمع بل نضالًا إنسانيًا مستمرًا يشارك فيه الجنس الإنساني كله.
وفي العصر الحديث أصبحت المرأة:
فاعلًا سياسيًا.
قوة اقتصادية.
عنصرًا في هندسة القرارات العالمية.
وصوتًا لا يمكن تجاهله في صياغة مستقبل البشرية.