تقدير الوالدين والتحرر من كارماهما



امين دنايي
2026 / 3 / 12

حب الوالدين وتقديرهما طريق نحو حب الخالق

نحن في وعينا الباطن نحب اهلنا الذين منحونا الحياة وتكوّننا منهم جسدياً،وأي أتهام او امتعاض أو عدوانية نحوهما،هو عدّاء لِحياتنا ، لِنفسنا وجسدنا ،لِذا فإنّ الناس" الذين لا يحبون اهلهم ويستاؤون منهم،لا يعيشون طويلاً ،وأظن بأنّ أحد اسباب طول العمر في منطقة القفقاز مرتبط بإجلال الوالدين واحترام الكبار"سيرغي لازاريف.

إنّ عدم احترام الوالدين وإطلاق الاحكام عليهما يعتبر تخلياً عنهما،لكن في نفس الوقت يحدث في عقلنا الباطن تخلٍّ عن خالقنا على مستوى الافكار،المشاعر ، الوعي والكارما.
إنّ العدوانية تجاه الاهل ،وبخاصة تجاه الأب، ستتحول عاجلاً ام آجلاً إلى عدوانية تجاه الخالق وابتعاداً عنه.عنذ ذلك، تبدأ مفارقات القدر وسلسلة من الانهيارات والامراض والمشاكل النفسية.
"إنّ الشخص الذي يرغب في أنْ يأخذ من والديه كل شيء دون أنْ يقوم بأيّ حق من الحقوق المترتبة عليه تجاههما ،يتحول في حقيقة الأمر إلى مجرم" سيرغي لازاريف.
فألشخص الذي لم يسمح لنفسه منذ الطفولة أنْ يفكر بوالديه بسوء،ولم يشعر بالخوف او الخنوع او التعالي أو الكراهية امامهما، فإنه يمتلك امكانيات اكثر من غيره عشرات المرّات.
ثمّ ماذا يعني طاعة الوالدين؟ إنّها تعني تضحية الابناء من اجلهما،بوقتهم، رغباتهم ،طموحاتهم، وبذل كل طاقتهم لتحقيق ما يطلبانه منهم.
بِقدر عدم إدانة الابناء لِوالديهم، وتغلبهم على اوجه القصور التي تلقوه منهما وأمتنانهم للخالق على وجودهما، تزداد فرصهم في خلق توازن بدواخلهم وحل مشاكلهم

إنكار الوالدين وتأثيره في الابناء

الناس الذين لم يكن لديهم أب نهائياً أو أنه كانت لهم معه علاقات معقدة جداً حد الانكار الكامل، تكون قدرتهم على الفهم متدنية وسيئة. كلما كان ثمة إنكار ونفي أكثر للأب، كانت القدرة على الفهم ورؤية ما في العمق والمستقبل، أكثر سوءاً وأضعف. أي إذا كان هناك مقدرة ضعيفة على الفهم لدى التلميذ أو التلميذة، فهذا يعني أنه ثمة مشاكل في الأسرة مع الأب لأنه يرتبط برمزية طاقة الذكورة في النفس.

إذا أنكر الابن والده، فإن استمرارية العنصر الذكوري تتعرض للانقطاع، تنكسر البداية الذكورية الخاصة به، فيفقد الرجل اتصاله مع العالم، فلا يعود يفهم هذا العالم ولا يعرف إلى أين عليه أن يسير ،إلى أين يقود أسرته ،مدينته ،دولته، لأن آفاق و رؤية المستقبل ضائعان.وإذا حدث وتمسك ذلك الشخص بمقاليد السلطة والحكم في بلده، فإنه من الممكن انْ يقوده إلى الخراب،دون أنْ يعي ذلك.

إذا ما تعامل الإنسان بإهمال وبلا اكتراث مع والديه، ومع الكبار في السن، وفي حال أنكر معارفهم وتجاربهم ولم يحترمهم ولم يقدرهم ، فإنَّ هذه إشارة أكيدة على أن الأمور ليست على ما يرام مع والده هو بالذات . من حيث الجوهر، يكون العنصر الذكوري لديه مكسوراً.
"ما أنكر الابن أباه، فإنه لن يكون هناك مستقبل لدى الأسرة ، أو القبيلة أو العرق أو البلاد، وعاجلاً أو آجلاً سوف يصلون إلى الهلاك والاندثار" فلاديمير جيكارنتسيف.

امّا بالنسبة لإنكار الأُم، إذا أنكر الابن أو الابنة الأم ،يحدث انقطاع عن الجسد ، قد يعيش الشخص كأنه "مفصول عن ذاته"، غير قادر على الاستمتاع بالحياة.وتنكسر الطاقة الأنثوية فيضعف الاتصال بالمشاعر، بالحب، بالرحمة، وبالقدرة على التلقي.
يمكن أن يظهر اضطراب في العلاقات العاطفية مثل صعوبة في الحب أو بناء أسرة مستقرة.
كما يمكن أن ينعكس إنكار الأم على المجتمع كجفاف، قسوة، تدمير للطبيعة، أو فقدان الخصوبة (روحية ومادية).


تقدير الوالدين في العلم الايزيدي

يحظى الوالدان بمكانة وتقدير كبيرين في المجتمع الايزيدي، والايزيدية كديانة و علم ترى في حب الوالدين وتقديرهما واجباً دينياً وأخلاقياً وأن الإنسان لن يحصل على حب الخالق إذا لم يفوز بحب والديه.
وهناك نص(قَوْل)ديني علمي كامل عن الوالدين وحقوقهما ودورهما في تربية الابناء وتوفير سبل الراحة والاستقرار وكل متطلبات الحياة لهم،وهذا القَول يحمل اسم الوالدين(قةولئ دايك و بابا) نذكر منه بعض السبقات مع ترجمتها:
ب دةستورى خودئ:

فرورةك هاتية ژ ئةسمانا
رئ و رةسم وحةد و وسةد بؤ مة دانا
ئيك ژ وان وةسيةتا دايك و بابانا
نزل أمر من السماء
حدد لنا الاسس والاركان
احداها التوصية بالوالدين

لسةر مة داناية حةقة
دگةل نةكةن ئاخفتنا رةقة
دا سةر و زمان ل مة نةبتة شةقة
توجب علينا الحق
أنْ لا نتحدث معهما بقسوة
كي لا نبتلي بالرأس واللسان

يئ دلئ وان دهشته
دلئ تةريقةتا خؤ ژ خؤ دهشتة
ل ئاخرةتئ تة پالا و نة پشتة
من اساء اليهما
اساء إلى دينه
في الآخرة ليس له معين ولا سند

هةكة دلئ دايئ خؤش نةكةى
و دلئ بابئ شاه نةكةى
فايدة ناكةت سةد سالى عةبادةتئ بكةى
إذا قلب الأُم لم تفرحه
وقلب الأب لم تسعده
فلن تفيدك العبادة ولو مارستها مئة سنة

گاڤا نةساخ دبن
بئ پئ و دةستهلات دبن
يا فةرة هنگئ د خزمةت دا بن
حين يمرضان
ويفقدا القدرة على الحركة
حينها تتوجب خدمتهما


هذه السبقات تحمل في طيّاتها معنى روحي عميق في مكانة وتقدير الوالدين ، وهي واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج إلى الكثير من التفسير ، إذ أن الدين والعبادة يفقدان اهميتهما إذا اساء الابناء للآب والأُم ولم يقوموا بالتضحية لأجلهما وإعطائهما الرعاية والعطف والحب، فَحب الوالدين طريق لشفاء النفس وحب الخالق.

التحرر من كارما الوالدين

الكارما تعني"الارتجاع" أي ما ترسله يعود إليك، إنّ أفكار الإنسان وأفعاله وكلماته، سترتد إليه عاجلاً أو آجلاً ، وبدقة شديدة.
وبما إن الكارما ليست شخصية فقط، لذلك قد يورّث الابناء "كارما الوالدين" أو تأثيراتهم العاطفية والفكرية في دواخلهم، بِحكم أن الروح تختار عائلة معينة للتجسد(عقد روحي)من خلالها ولأن الابناء يحملون جينات الام والاب، فتتأثر بالبرامج الداخلية للآباء والامهات مخاوفهم، قيودهم، صدماتهم، امراضهم وحتى معتقداتهم . وتؤثر على حياة الابناء دون علمهم،دون علم الوالدين والابناء ،في اغلب الأحيان.
ويمكن أن تُسبّب كارما الوالدين،إن كانا سلبيَين،العديد من المشاكل لأبنائهم مثل :الأمراض الجسدية والنفسية،العلاقات السامّة،الشعور بالضياع وعدم الاستقرار، الصعوبات المالية و الافكار والمشاعر السلبية.
فإنْ عشتَ طفولة قاسية أو تعرضتَ للإساءة من الوالدين سواء بوعي أو بدون وعي منهما او حدوث جرح داخلك(جرح الأب او الأُم)بعد حالة طلاق أو وفاة أحدهما،فإنها ستبقى وتصبح كارما في انتظار الحل.لأن التمسك بها ستجعلك تعيش دوامة تلك المشاعر والآلام مراراً وتكراراً في هذه الحياة وفي حيواتك القادمة.إذ إنّ مشاعر وأفكار الوالدين السلبية وأمراضهما من الممكن أن تنتقل إلى الابناء والاحفاد عبر سبعة اجيال مالم يتحرر الابناء منها بالحب والتسامح.

لِذلك، اشفي،تطهّر وحرّر نفسك من كارما الوالدين، وأول شيء عليك أن تعلمه لتفعل ذلك هو الغفران.فمن خلال الغفران والحب والتضحية ستحرر نفسك وتحررهما، لترسم طريقك الخاص وتختار واقعك،وتدرك أنّ ما حملته من والديك،مثل بقية تجارب الحياة،جزء من رحلتك في الوجود للتطور والارتقاء والتوجه نحو النور والحب الإلهي في داخلك.


المصادر المستفادة:
- سيرغي لازاريف،التربية الروحية للأهل،ترجمة:جابر سليمان ،دار الخيال، ط1، 2023.

- - سيرغي لازاريف،اسرار السعادة الاسرية، ترجمة محمد ياسر الحسكي، دار الخيال،ط1 ، 2022.

- فلاديمير جيكارنتسيف،حب الحياة- الرجوع إلى القلب- الرجل والمرأة. دار الفرقد ،ط1، 2017.

- جلال خرمش، الايزيدية: المبادئ والقيم وأصالة الموروث التاريخي، ط1، 2018