|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
!--a>
2026 / 5 / 14
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، برزت حقوق الطفل كواحدة من أهم القضايا الإنسانية والتشريعية التي تحظى باهتمام متزايد على المستويين الدولي والإقليمي؛ ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
فالطفل لم يعد يُنظر إليه ككائن تابع أو مجرد فرد قاصر، بل أصبح محورًا أساسيًا في سياسات التنمية المستدامة وبناء المجتمعات، وتأتي أهمية حقوق الطفل من كونها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان؛ إذ إن ضمان هذه الحقوق منذ الصغر يسهم في إعداد جيل واعٍ، متعلم، قادر على المشاركة الفاعلة في مجتمعه.
وفي السياق القانوني الأردني، شكّل صدور قانون حقوق الطفل رقم (17) لسنة 2022 خطوة نوعية تعكس التزام الدولة بحماية الطفولة وتعزيز رفاهها؛ انسجامًا مع المعايير الدولية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية.
ينطلق قانون حقوق الطفل الأردني من تعريف واضح للطفل، حيث يعتبر كل من لم يتم الثامنة عشرة من عمره طفلًا، وهو تعريف يتوافق مع المعايير الدولية ويؤسس لحماية قانونية شاملة لهذه الفئة ، ويؤكد القانون منذ مواده الأولى على حق الطفل في التمتع بكافة الحقوق دون انتقاص؛ بما لا يتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية، وهو ما يعكس توازنًا دقيقًا بين الحداثة التشريعية والخصوصية الثقافية، فمن أبرز الحقوق التي كفلها القانون، الحق في الحياة، حيث نص بشكل صريح على عدم جواز المساس بهذا الحق تحت أي ظرف، وهو ما يُعد حجر الأساس لبقية الحقوق.
كما أولى القانون أهمية كبيرة للبيئة الأسرية؛ إذ أكد على حق الطفل في الرعاية والتنشئة السليمة داخل أسرة تتحمل مسؤولية تربيته وتوجيهه، مع ضمان احترام كرامته الإنسانية، ويتكامل ذلك مع حق الطفل في الهوية، من خلال تسجيل اسمه منذ الولادة وعدم جواز اختيار اسم يمس كرامته، إضافة إلى حقه في النسب والرعاية من والديه، وهو ما يعزز انتماءه واستقراره النفسي والاجتماعي.
ومن الجوانب المتقدمة في القانون، الاعتراف بحق الطفل في التعبير عن رأيه، حيث أتاح له حرية التعبير بما يتناسب مع سنه ونضجه، مع ضرورة أخذ آرائه بعين الاعتبار في القضايا التي تمسه، كما ضمن القانون حقه في الخصوصية، ومنع أي تدخل تعسفي في حياته أو أسرته، مع حماية سمعته وشرفه، وهو ما ينسجم مع المبادئ الحديثة لحقوق الإنسان.
وفي المجال الصحي، كفل القانون للطفل الحق في الحصول على الخدمات الصحية الأساسية مجانًا؛ خاصة في الحالات الطارئة، كما ألزم الجهات المختصة بوضع سياسات وبرامج لتحسين الرعاية الصحية للأطفال، ولم يقتصر الأمر على العلاج، بل شمل الوقاية والتوعية الصحية، وتوفير بيئة صحية وآمنة، ما يعكس نظرة شمولية لصحة الطفل.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد نص القانون على حق الطفل في مستوى معيشي ملائم، وحمايته من الفقر، مع التأكيد على دور الدولة في دعم الأسرة وتمكينها من القيام بوظائفها الأساسية، كما أقر حق الأطفال المحرومين من بيئتهم الأسرية في الرعاية البديلة، بما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى لهم، وهو مبدأ أساسي في تشريعات الطفولة الحديثة.
وفي مجال التعليم، أكد القانون على أن التعليم الأساسي حق إلزامي ومجاني، مع التزام أولياء الأمور بإلحاق أطفالهم به، إضافة إلى مسؤولية الدولة في توفير بيئة تعليمية مناسبة وآمنة، كما شدد على منع التسرب المدرسي، وتحسين جودة التعليم، وتوفير التوعية الصحية والنفسية داخل المؤسسات التعليمية، ومن النقاط المهمة أيضًا، حظر العنف في المدارس، بما في ذلك العقاب الجسدي والتنمر، مع وضع آليات للإبلاغ عن هذه الحالات، ما يعزز بيئة تعليمية قائمة على الاحترام والكرامة.
كما لم يغفل القانون حق الطفل في الترفيه والمشاركة المجتمعية؛ حيث أتاح له الانخراط في الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، مع التزام الجهات المختصة بتوفير أماكن آمنة ومناسبة لذلك، ويُعد هذا الجانب مهمًا في تنمية شخصية الطفل وتعزيز مهاراته الاجتماعية.
ومن أهم ما جاء في القانون، الحماية الشاملة من كافة أشكال العنف والاستغلال، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا أو اقتصاديًا، حيث حظر بشكل صريح تعريض الطفل لأي من هذه الممارسات، كما ألزم الجهات المختصة والأفراد بالإبلاغ عن أي حالات إساءة، مع توفير الحماية للمبلغين، وهو ما يعزز ثقافة المسؤولية المجتمعية في حماية الأطفال.
ولم يغفل القانون الأطفال ذوي الإعاقة، بل منحهم حقوقًا خاصة تضمن دمجهم في المجتمع، سواء في التعليم أو التدريب أو المشاركة في الحياة العامة، مع توفير التسهيلات اللازمة لهم، ويعكس ذلك توجهًا إنسانيًا يهدف إلى تحقيق المساواة وعدم التمييز.
وفي الجانب القانوني، ضمن القانون حق الطفل في المساعدة القانونية، بما يشمل الاستشارة والتمثيل أمام الجهات القضائية، مع مراعاة سنه وكرامته، وهو ما يعزز العدالة ويضمن حماية حقوقه في مختلف الإجراءات.
ختامًا، يمكن القول إن قانون حقوق الطفل الأردني يمثل خطوة متقدمة في مسار تعزيز حماية الطفولة؛ إذ يجمع بين المعايير الدولية والخصوصية المحلية، ويغطي مختلف جوانب حياة الطفل بشكل متكامل، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص القانونية فحسب، بل في مدى تطبيقها على أرض الواقع، فمواكبة التشريعات لاحتياجات العصر الحديث تتطلب تفعيل هذه القوانين، وتعزيز الوعي المجتمعي بها، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذها.
إن حماية حقوق الطفل ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد المجتمع؛ لأن الاستثمار في الطفل هو استثمار في المستقبل وضمان لبناء مجتمع أكثر عدلًا واستقرارًا.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|