الحقوق الممنوحة للطفل في الإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته لعام 1990



زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 20

تُعدّ حقوق الطفل من أهم القضايا الإنسانية التي حظيت باهتمام المجتمع الدولي في العصر الحديث؛ وذلك لما يمثله الطفل من أساسٍ لبناء المجتمعات وصناعة مستقبل الأمم، فالطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هي مرحلة تكوين الشخصية الإنسانية من النواحي النفسية والجسدية والعقلية والاجتماعية.
ولذلك فإن أي انتهاك يتعرض له الطفل ينعكس سلبًا على المجتمع بأسره، ومن هنا؛ برزت الحاجة إلى وضع تشريعات واتفاقيات دولية تُعنى بحماية الطفل وتوفير بيئة آمنة تكفل له النمو السليم والحياة الكريمة، وقد جاء الإعلان العالمي لبقاء الطفل ونمائه لسنة 1990 ليؤكد التزام المجتمع الدولي بحماية الأطفال وضمان حقوقهم الأساسية؛ وذلك من خلال النص على مجموعة واسعة من الحقوق المتعلقة بالصحة والتعليم والحماية والرعاية الاجتماعية والتنمية الإنسانية الشاملة.
كما شدّد الإعلان على ضرورة حماية الأطفال من جميع أشكال الإساءة والاستغلال والعنف والتمييز، والعمل على توفير الظروف الملائمة التي تساعدهم على النمو في بيئة يسودها الأمن والاستقرار والاحترام الإنساني.
وقد انطلق الإعلان العالمي لبقاء الطفل ونمائه من فكرة أساسية مفادها أن الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر ضعفًا في المجتمع، وأنهم يعتمدون بصورة كبيرة على البالغين في تأمين احتياجاتهم الأساسية وحمايتهم من الأخطار المختلفة، ولهذا، أكد الإعلان على حق الطفل في الحياة والبقاء والنمو السليم، باعتبار أن هذا الحق يُشكّل الأساس الذي تقوم عليه بقية الحقوق الأخرى، كما دعا إلى توفير الرعاية الصحية للأطفال، والعمل على خفض معدلات وفيات الرضع والأطفال، وتأمين المياه النظيفة والخدمات الصحية المناسبة لهم، وذلك إدراكًا لأهمية الصحة في بناء الإنسان القادر على المشاركة الفاعلة في المجتمع.
ومن أبرز الحقوق التي أكد عليها الإعلان أيضًا حق الطفل في التغذية السليمة والحماية من الجوع وسوء التغذية، إذ أشار إلى أن ملايين الأطفال في العالم يعانون من الفقر والمجاعة ونقص الغذاء، الأمر الذي يهدد حياتهم ويمنعهم من النمو الطبيعي، ولذلك؛ دعا الإعلان إلى اتخاذ التدابير اللازمة لاستئصال الجوع وتحسين الظروف المعيشية للأطفال، والعمل على توفير الغذاء الكافي لهم، باعتبار أن التغذية السليمة تُعدّ من أهم المقومات الأساسية لبقاء الطفل ونمائه الجسدي والعقلي.
كما منح الإعلان الطفل حق التعليم، وعدّ هذا الحق من أهم الوسائل التي تساعد الطفل على تطوير شخصيته وتنمية قدراته الفكرية والثقافية، فقد أشار إلى وجود ملايين الأطفال المحرومين من التعليم الأساسي، وخاصة الفتيات، مما يشكل عائقًا أمام تقدم المجتمعات وتحقيق العدالة الاجتماعية، ولذلك؛ دعا إلى توفير التعليم الأساسي للجميع دون تمييز، والعمل على مكافحة الأمية، وتهيئة الفرص التعليمية للأطفال بغض النظر عن جنسهم أو خلفياتهم الاجتماعية، كما شدّد على أهمية إعداد الأطفال للحياة العملية وتمكينهم من اكتساب المهارات والمعارف التي تساعدهم على المشاركة في تنمية مجتمعاتهم بصورة إيجابية.
ولم يقتصر الإعلان على الحقوق الصحية والتعليمية فقط، بل تناول كذلك حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف والاستغلال والإهمال، فقد أشار إلى أن كثيرًا من الأطفال يتعرضون للحروب والنزاعات المسلحة والتشرد والاحتلال الأجنبي والتمييز العنصري، إضافة إلى تعرضهم للقسوة والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك، دعا الإعلان إلى توفير الحماية الخاصة للأطفال الذين يعيشون في ظروف صعبة، مثل الأطفال اللاجئين، وأطفال الشوارع، والأيتام، والأطفال العاملين، والمعوقين، وضحايا الكوارث والحروب، كما أكد على ضرورة منع تشغيل الأطفال بصورة غير مشروعة، وحمايتهم من الانجراف نحو المخدرات والجريمة والانحراف.
ومن الحقوق المهمة التي أقرها الإعلان كذلك حق الطفل في العيش ضمن أسرة توفر له الرعاية والحنان والاستقرار النفسي والاجتماعي؛ حيث اعتبر الأسرة البيئة الطبيعية لنمو الطفل ورفاهيته، ولهذا، شدد الإعلان على أهمية دعم الأسرة ومساعدة الآباء والأمهات في تربية الأطفال ورعايتهم، وتوفير الظروف المناسبة التي تساعد الأسرة على أداء دورها التربوي والاجتماعي بصورة سليمة، كما أكد على ضرورة توفير الحماية للأطفال المنفصلين عن أسرهم أو المحرومين من الرعاية الأسرية، وذلك من خلال تقديم الدعم الاجتماعي والنفسي اللازم لهم.
وإلى جانب ذلك، أكد الإعلان على حق الطفل في المشاركة الثقافية والاجتماعية، وفي تنمية شخصيته ومواهبه وقدراته المختلفة، فقد دعا إلى توفير بيئة آمنة تتيح للأطفال اللعب والتعلم واكتشاف ذواتهم، وتنمي لديهم قيم التعاون والسلام والحوار والتفاهم، كما أشار إلى أهمية إشراك الأطفال في الحياة الثقافية لمجتمعاتهم، بما يعزز شعورهم بالانتماء والمسؤولية تجاه أوطانهم ومجتمعاتهم.
كذلك، أولى الإعلان اهتمامًا خاصًا بحماية الأطفال أثناء الحروب والنزاعات المسلحة، حيث دعا إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتجنيب الأطفال ويلات الحروب والعنف، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم في مناطق النزاع، كما أكد على أهمية نشر ثقافة السلام والتسامح في البرامج التعليمية، بما يسهم في بناء أجيال تؤمن بالحوار وترفض العنف والتطرف.
وفي الختام، يتضح أن الإعلان العالمي لبقاء الطفل ونمائه لسنة 1990 شكّل خطوة مهمة في مسيرة حماية حقوق الطفل على المستوى الدولي، إذ وضع إطارًا إنسانيًا وأخلاقيًا يؤكد ضرورة توفير الحياة الكريمة للأطفال وضمان نموهم في بيئة آمنة وصحية وتعليمية سليمة، كما أبرز أهمية التعاون الدولي في مواجهة المشكلات التي تهدد الطفولة، مثل الفقر والجوع والحروب والاستغلال، ومن هنا، فإن مواكبة التشريعات الوطنية للتطورات العالمية المتعلقة بحقوق الطفل أصبحت ضرورة ملحّة، وذلك من خلال سنّ قوانين صارمة تحمي الأطفال من جميع أشكال الإساءة والعنف والاستغلال، وتكفل لهم حق التعليم والصحة والرعاية والحياة الكريمة، فحماية الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية الدولة والمجتمع والمؤسسات الدولية كافة، لأن بناء مستقبل مزدهر يبدأ ببناء طفلٍ يتمتع بحقوقه كاملة ويعيش بكرامة وأمان.