|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
إكرام فكري
!--a>
2026 / 5 / 29
أحيانًا لا يكون الإنسان عالقًا داخل علاقة سيئة بالمعنى التقليدي، بل داخل نظام كامل يعمل بمنطق يختلف كلياً عن منطقه. نظام قديم، مغلق، يستهلك الطاقة ببطء، ويحوّل أبسط التفاصيل اليومية إلى تجربة ثقيلة ومربكة…
في الظاهر، يبدو المشهد عاديًا؛ عيد، لحم، بيت، وابنة تزور أمها. لكن داخل التفاصيل الصغيرة يبدأ شيء آخر بالظهور. فالمسألة لم تعد مرتبطة بالحاجة الفعلية للطعام بقدر ما أصبحت مرتبطة بعلاقة مضطربة مع فكرة النقص نفسها. شراء المزيد، طلب المزيد، تخزين المزيد… رغم أن الكمية الموجودة تكفي أصلًا. كأن الامتلاء المؤقت للفريزر يمنح شعورًا قصيرًا بالأمان، أو يعوض فراغًا أقدم بكثير من مناسبة العيد… لهذا لم يكن المشهد مجرد “لحم كثير”، بل صورة لحياة كاملة تُدار بمنطق التكديس والانغلاق بدل الراحة والاستمتاع.
تُشترى الأشياء بكثرة، ثم تُحفظ بعيدًا، بينما يبقى البيت نفسه غارقًا في الصمت والثقل، وكأن كل شيء موجود إلا الشعور الحقيقي .. خوف قديم من النقص، هوس بالتخزين، أو محاولة لملء فراغ داخلي عبر التكديس المستمر.
تصلين من العمل في عز الحر، حاملةً أكياس اللحم وحاسوبكِ الذي كنتِ تأملين أن يكون جسركِ نحو بضعة أيام من الهدوء، لتجدي أن البيت قد تحول إلى سجن؛ النوافذ مغلقة، الأبواب موصدة، والعيد نفسه ممنوع من الدخول. في الخارج يضج العالم بالحياة، بينما في الداخل لا صوت يعلو فوق صدى الماضي، والمقارنات، وأحاديث الموت التي لا تنتهي. هنا، تكتشفين أن أبسط المحاولات لا تنجح؛ فتناول طاجين ينهيه ادعاء المرض، واقتراح الخروج للبحر يواجه برفض قاطع، وحتى محاولة العودة تُقابل بانتقاد و عقده الذنب كل مبادرة لخلق لحظة خفيفة تُقابل بصدٍّ واعٍ، لتدركي حينها أن المشكلة ليست في حدث عابر، بل في نسق حياة كامل. هناك بشر اعتادوا التوتر لدرجة أن الراحة أصبحت بالنسبة لهم حالة غريبة ومستفزة، فيعيدون إنتاج العزلة، والخوف، والحديث الثقيل أينما حلوا. والخطأ الأكبر الذي نقع فيه، هو اعتقادنا أن هذا النظام قابل للإصلاح بالإصرار أو بالشرح أو ببذل المزيد من الجهد العاطفي. لكن الحقيقة هي أن بعض الأنظمة لا يمكن إعادة برمجتها من الخارج، وهنا تظهر فكرة "العزلة التقنية"؛ حين يصبح الحل الوحيد هو تقليل صلاحيات هذا النظام داخل حياتكِ. ليس بدافع القسوة، بل بدافع الحفاظ على استقراركِ الداخلي. العلاقة تستمر، لكن بطريقة مختلفة: دون محاولة دائمة لإنقاذ الجو، دون انتظار لحظة مثالية لن تأتي، ودون السماح لهذا الثقل بأن يتسرب إلى مفاصل حياتكِ اليومية. إنها أشبه بتشغيل برنامج قديم داخل مساحة معزولة، كي لا يفسد النظام بأكمله. الحياة الحقيقية تبدأ خارج تلك الدائرة؛ في العمل، في الطموح، وفي كل تفصيل يشعركِ أنكِ تتنفسين بحرية.
إن النضج أحيانا ليس في إصلاح كل شيء، بل في معرفة ما الذي يجب أن نتوقف عن إصلاحه. فبعض الأنظمة لا تتغير، لا لأنها مستحيلة فقط، بل لأنها استمرأت منطقها القديم، ومحاولة الدخول معها في حرب دائمة لا تؤدي إلا إلى استنزافكِ، أنتِ التي ما زلتِ تعتقدين أن بإمكانكِ تحويل الجدران المغلقة إلى نوافذ. لذا، ربما تكون الحرية الحقيقية هي التوقف عن محاولة فهم كل شيء، والتوقف أيضًا عن منح بعض المساحات قدرة الوصول الكامل إلى أعماقكِ. ليس هذا هروبًا، بل إدارة ذكية للطاقة؛ وليس برودًا، بل حماية للبنية النفسية من تعطلٍ مستمر.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|