جذور العنف: أطروحات في تفكيك الظاهرة وبناء ثقافة السلام المجتمعي بقلم: إنتصار كامل الخُشت



انتصار كامل جفلان الخشت
2026 / 8 / 12

يشكل العنف، بمختلف تجلياته المادية والرمزية والنفسية، أحد أعقد التحديات التي تواجه المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل. وإذا كان البعض ينظر إلى العنف باعتباره غريزة بيولوجية متأصلة في الكائن البشري، فإن المقاربات السوسيولوجية والنفسية الحديثة تؤكد أن العنف في جوهره ظاهرة مكتسبة، تتغذى على بيئات حاضنة، وهياكل اجتماعية مختلة، واختلالات عميقة في منظومات العدالة والقيم.
إن تفكيك ظاهرة العنف يتطلب منا تجاوز حدود الإدانة الأخلاقية السطحية – على أهميتها – إلى قراءة علمية تحليلية لجذوره الاقتصادية والثقافية والتربوية، وصولاً إلى رسم معالم استراتيجية واضحة لتجفيف منابعة.
أولاً: الأبعاد البنيوية والنفسية للعنف
لا ينشأ العنف في فراغ، فهو غالباً ما يكون استجابة مشوهة لشعور عميق بالغبن، أو الإقصاء، أو عجز الأفراد عن التعبير عن ذواتهم وتحقيق طموحاتهم بالطرق السلمية المشروعة. ويمكن رصد أبرز مرتكزات الظاهرة في النقاط التالية:
العنف الهيكلي والمؤسسي: عندما تغيب العدالة الاجتماعية، وتتآكل تكافؤ الفرص، وتتوسع فجوات التهميش الاقتصادي والثقافي، تصبح البنية المجتمعية نفسها بيئة طاردة ومولدة للتوترات، مما يمهد الطريق لانفجارات سلوكية بأشكال عديدة.
خلل منظومة التنشئة الاجتماعية: تلعب الأسرة والمؤسسات التعليمية دوراً محورياً في تشكيل الوعي المبكر للأفراد. إن الاعتماد على أساليب التربية القائمة على القسوة، والكبت، والإلغاء يرسخ في اللاوعي الجمعي أن "القوة" هي الفيصل والسبت الوحيد لانتزاع الحقوق أو فرض النفوذ.
ثقافة الإقصاء وتجريم الاختلاف: يقتات العنف المعنوي والفكري على رفض الآخر، وتنميط الجماعات أو الأفراد بناءً على اختلافاتهم العقدية، أو الفكرية، أو الاجتماعية. وغالباً ما يتطور هذا الإقصاء اللفظي والرمزي تدريجياً ليتخذ أشكالاً مادية صارخة.
ثانياً: تداعيات العنف على مسار التنمية والوعي
إن استمرار دوامات العنف لا يقتصر أثره على الخسائر المادية المباشرة، بل يمتد ليضرب في عمق البنية النفسية والثقافية للمجتمعات:
1. إهدار الطاقات البشرية: يستنزف العنف القدرات الإبداعية والفكرية للشباب، ويوجه طاقات المجتمع نحو الهدم والصراع بدلاً من البناء والإنتاج.
2. سيادة ثقافة الخوف: يؤدي تفشي مظاهر العنف إلى تقويض الشعور بالأمان المجتمعي، مما ينعكس سلباً على تراجع مستويات التفكير النقدي لصالح النزعات الدفاعية والانغلاقية.
3. تعطيل مسار الحداثة والتنوير: إن المجتمعات التي تعاني من هيمنة ثقافة القوة تجد صعوبة بالغة في ترسيخ قيم الحوار، والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وهي ركائز أساسية لأي نهضة حقيقية.
ثالثاً: نحو استراتيجية شاملة لمواجهة العته والعنف
إن معالجة العنف لا يمكن أن تنجح عبر الحلول الأمنية وحدها، بل تستوجب مشروعاً مجتمعياً متكاملاً يتشارك فيه المفكرون، والمربون، وصناع القرار، ويقوم على المحاور الآتية:
إصلاح المناهج التربوية: الانتقال من أساليب التلقين القائمة على الخضوع والسلطوية إلى فضاءات تعليمية تحفز على التفكير النقدي، وتقبل الآخر، وتعليم مهارات حل النزاعات بالطرق السلمية.
ترسيخ سيادة القانون والعدالة: إن ضمان المساواة أمام القانون وإعلاء قيم المواطنة المتساوية هما الضمانة الأكيدة لشعور الأفراد بالانتماء، مما يغني عن اللجوء إلى أي أشكال استباقية أو دفاعية من العنف.
إعلاء صوت الثقافة والفنون: تشجيع الفضاءات التنويرية، والأنشطة الثقافية والفنية التي تسهم في تهذيب الوجدان الإنساني، وتعزيز التعاطف، وتقديم البدائل الجمالية للخطابات المتطرفة.
خاتمة:
إن بناء مجتمعات إنسانية متحررة من آفة العنف ليس دروباً من الخيال، بل هو التزام أخلاقي وتاريخي يتحمل مسؤوليته الجميع. فالكلمة الحرة، والفكر العقلاني، والحوار القائم على الاحترام المتبادل هي الأدوات الحضارية الوحيدة القادرة على تفكيك جدران الكراهية، وتعبيد الطريق نحو مستقبل يسوده السلام والعدل والكرامة الإنسانية.