مساويات متناقضة



انتصار كامل جفلان الخشت
2026 / 8 / 19

.

مساويات متناقضة: ملكة البيت وصوت السلام النفسي
(من ملف: الفكر السياسي والحقوقي لمناهضة العنف ضد المرأة)
مقدمة: أبعاد العنف الصامت خلف الأبواب
يمر المساء على البيوت المصرية والعربية كمرآة عاكسة لطبيعة البناء الاجتماعي والسياسي الداخلي؛ فبينما يغرق مساء البعض في ألوان وردية دافئة عنوانها التقدير والاحتواء، تفرض أمسيات أخرى وجوهاً باهتة لا إنسانية، يتحول فيها التعب إلى إهمال، والجهد إلى فراغ، والعنف النفسي الممنهج إلى روتين يومي صامت. هكذا تقف المرأة بين نقيضين: امرأة تحيطها رعاية مؤسسية ومجتمعية تعزز من قواها وتدعم خطواتها، وأخرى يلاحقها نهر مستمر من الإقصاء والتهميش يفرغ روحها من الأمان والطاقة.
حق العيش في سلام.. ركيزة العدالة المجتمعية
إن حق المرأة في العيش بسلام ليس مجرد رفاهية مستحقة أو مطلباً عاطفياً، بل هو حجر الأساس الدستوري والحقوقي الذي تقوم عليه استقرار وسلامة الدولة والأسرة بأكملها. والسلام الحقيقي لا ينفصل عن أبعاده المتعددة:
السلام النفسي: حق الإنسان في التحرر من الإرهاب النفسي والضغط المنهك داخل فضاء مفترض أنه آمن.
السلام المادي: توفير استقرار معيشي واقتصادي يحفظ كرامتها ويحررها من التبعية التي تستغل كأداة ضغط.
السلام المعنوي: تجريم ثقافة النهر والإلغاء، وإرساء ثقافة التقدير التي تثمن دورها الإنساني والوطني.
مديرة البيت وملكة زمن أسرتها: أين القرار؟
إن المرأة ليست مجرد عنصر استهلاكي مكمل في المنظومة الأسرية، بل هي مديرة البيت الحقيقية والقلب النابض لكل زاوية فيه. هي ملكة زمن أسرتها، تلك التي تدير إيقاع الحياة اليومية بحكمة بالغة، وتوازن بين تفاصيل الإنتاج البشري والرعاية والتربية.
من منظور فكري وسياسي، فإن حرمان هذه الملكة المتفرغة لعطاء أسرتها من حق المشاركة وصنع القرار، أو تغييبها عن دراية التفاصيل المحيطة بمصيرها، هو شكل من أشكال العنف الهيكلي الذي يناقض مبادئ العدالة والمواطنة السليمة؛ فالوعي والمعرفة هما حق أصيل وجناحا القيادة للأسرة والمجتمع.
ما بين علياء وراجية: ثنائية الصمود والاضطهاد
في فضاء الواقع والوجدان السياسي والاجتماعي، تتجسد ملحمة النضال اليومي للمرأة من خلال وجهين متقابلين:
علياء (حصن العطاء المقاوم): نموذج للمرأة التي تقف بصلابة؛ مستعدة دائماً، تعمل لبيتها، وتذود عن أولادها، وتحمي مساحتهم بكل ما تملك من طاقة وصبر، متصدية لكل طاقات الإحباط وقسوة البنيات الاجتماعية الجائرة لتفشل محاولات كسر إرادة بيتها.
راجية (بقايا إنسان يعافر القهر العبثي): تجسيد للمأساة الإنسانية حين تلملم المرأة ما تبقّى منها؛ بقايا إنسان يعافر الزمن تحت قهر لا معنى له ولا قيمة، قهر سياسي واجتماعي مفروض بلا إنصاف، يحاول سلبها آخر ومضات الروح والقدرة على الاحتمال، في غياب تام لمنظومات الحماية الفاعلة.
خاتمة النداء الحقوقي
إن تكريم المرأة في بيتها، ومناهضة أشكال العنف والاضطهاد الموجه ضدها، وبناء بيئة من السلام النفسي والمعنوي حولها، ليس منحة تفضلية، بل هو الاستثمار الأثبت سياسياً واجتماعياً في بناء مجتمع ديمقراطي واعٍ تسوده المودة والرحمة والعدالة الحقيقية.
"حين تتوزع الروح بين عطاء لا ينضب ومعافرة صامتة تحت قهر بلا معنى، يظل صمود الإنسان هو الشاهد الأصدق على ضرورة تفكيك العنف، والانتصار لحق المرأة المطلق في الحياة والكرامة والسلام."