المرأة في فكر الطباطبائي/1

داود سلمان الكعبي
dawdbagad@yahoo.com

2017 / 3 / 15

محمد حسين الطباطبائي (1321- 1402 هـ. ق)، صاحب التفسير المعروف (الميزان في تفسير القرآن)، وهو ايضا من المهتمين بالفلسفة، وتخرج على يديه العديد الطلاب الذين اصبحوا -فيما بعد- اساتذة في علوم الفلسفة والتفسير والفقه وعلم الاصول، وغير ذلك.
جاء في الموسوعة الحرة: "كان الطباطبائي فيلسوفاً وحكيماً، وكان أستاذاً موهوباً كرّس معظم حياته لتعليم المعارف الإسلامية الحقّة. أعطى دروساً في الفلسفة في المدرسة الحجّتية في مدينة "قم"، كما أعطى دروساً في علم الفلك وتفسير القرآن الكريم، وفي الأخلاق والسير والسلوك.
كان أستاذاً في علم الهيئة القديمة إذ كان لديه اطّلاع بعلوم الجبر والمقابلة والهندسة الفضائية والهندسة المسطّحة والرياضيات الإستدلالية. كما درّس الأدب العربي وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع. أما في الفقه وعلم الأصول، فقد كان أستاذاً صاحب ذوق فقهي قريب للواقع. ورغم أهليّته للمرجعية لم يكتب رسالته العملية إذ إنه تفرّغ للعلوم الحكمية والمعارف الربانية".
وقد ضمن تفسيره العديد من البحوث الفلسفية والكلامية والتاريخية وغيرها، وتطرق كذلك الى لمحة سلط فيها الاضواء على حياة المرأة، وقارنها بين الامس واليوم، بين الجاهلية والاسلام، بين النظرة الاسلامية والنظرة الغربية للمرأة، وخرج بالنتيجة بأن المرأة في الاسلام حالها افضل حال في تلك المجتمعات.
1- حياة المرأة في الامم غير المتمدنة
قال الطباطبائي "كانت حياة النساء في الاُمم والقبائل الوحشيّة كالأمم القاطنين بإفريقيّة وأستراليا والجزائر المسكونة بالاُوقيانوسيّة وإمريكا القديمة، وغيرها بالنسبة إلى حياة الرجال كحياة الحيوانات الأهليّة من الانعام وغيرها بالنّسبة إلى حياة الإنسان.
فكما أنّ الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه يرى لنفسه حقّاً أن يمتلك الأنعام وسائر الحيوانات الأهليّة ويتصرّف فيها كيفما شاء وفي أيّ حاجة من حوائجه شاء، يستفيد من شعرها ووبرها ولحمها وعظمها ودمها وجلدها وحليبها وحفظها وحراستها وسفادها ونتاجها ونمائها، وفي حمل الأثقال، وفي الحرث، وفي الصيد، إلى غير ذلك من الأغراض الّتي لا تحصى كثرة.
وليس لهؤلاء العُجم من الحيوانات من مبتغيات الحياة وآمال القلوب في المأكل والمشرب والمسكن والسفاد والراحة، إلّا ما رضي به الإنسان الّذي امتلكها ولم يرض إلّا بما لا ينافي أغراضه في تسخيرها وله فيه نفع في الحياة، وربّما أدّى ذلك إلى تهكّمات عجيبة ومجازفات غريبة في نظر الحيوان المستخدم لو كان هو الناظر في أمر نفسه: فمن مظلوم من غير أيّ جرم كان أجرمه، ومستغيث وليس له أيّ مغيث يغيثه، ومن ظالم من غير مانع يمنعه، ومن سعيد من غير استحقاق كفحل الضراب يعيش في أنعم عيش وألّذه عنده، ومن شقّي من غير استحقاق كحمار الحمل وفرس الطاحونة.
وليس لها من حقوق الحياة إلّا ما رآه الإنسان لمالك لها حقّاً لنفسه فمن تعدّى إليها لا يؤاخذ إلّا لأنّه تعدّى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان في نفسه، كلّ ذلك لأنّ الإنسان يرى وجودها تبعاً لوجود نفسه وحياتها فرعاً لحياته ومكانتها مكانة الطفيليّ.
كذلك كانت حياة النساء عند الرجال في هذه الاُمم والقبائل حياة تبعيّة، وكانت النساء مخلوقة عندهم (لأجل الرجال) بقول مطلق: كانت النساء تابعة الوجود والحياة لهم من غير استقلال في حياة، ولافي حقّ فكان آبائهنّ ما لم ينكحن، وبعولتهنّ بعد النكاح أولياء لهنّ على الإطلاق.
كان للرجل أن يبيع المرأة ممّن شاء وكان له أن يهبها لغيره، وكان له أن يقرضها لمن استقرضها للفراش أو الاستيلاد أو الخدمة أو غير ذلك، وكان له أن يسوسها حتّى بالقتل، وكان له أن يخلّي عنها، ماتت أو عاشت، وكان له أن يقتلها ويرتزق بلحمها كالبهيمة وخاصّة في المجاعة وفي المآدب، وكان له ما للمرأة من المال والحقّ وخاصّة من حيث إيقاع المعاملات من بيع وشرى وأخذ وردّ.
وكان على المرأة أن تطيع الرجل - أباها أو زوجها - في ما يأمر به طوعاً أو كرهاً، وكان عليها أن لا تستقلّ عنه في أمر يرجع إليه أو إليها، وكان عليها أن تلي أمور البيت والأولاد وجميع ما يحتاج إليه حياة الرجل فيه، وكان عليها أن تتحمّل من الأشغال أشقّها كحمل الأثقال وعمل الطين وما يجري مجراهما ومن الحرف والصناعات أرداها وسفسافها، وقد بلغ عجيب الأمر إلى حيث أنّ المرأة الحامل في بعض القبائل إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البيت، ونام الرجل على فراشها أيّاماً يتمرّض ويداوي نفسه، هذه كلّيّات ماله وعليها، ولكلّ جيل من هذه الأجيال الوحشيّة خصائل وخصائص من السنن والآداب القوميّة باختلاف عاداتها الموروثة في مناطق حياتها والأجواء المحيطة بها يطلّع عليه من راجع الكتب المؤلّفة في هذه الشؤون.
(راجع: محمد حسين الطباطبائي "الميزان" ج 2ص 275، منشورات مؤسسة الاعلمي الطبعة الاولى 1972بيروت- لبنان).



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة