ما بين البحرين الأحمر والأبيض

نوال السعداوي
nawalalsaadawi@yahoo.com

2017 / 3 / 17


أكتب اليوم من برشلونة يتباهى الشعب الكاتالونى بتاريخه وفنونه وحضارته العريقة
كنت هنا منذ أربعة عشر عاما، أستاذة زائرة بجامعة أوتونوما إحدى الجامعات المتمردة على التقاليد والقوالب الأكاديمية قمت بتدريس مادتى المفضلة بعنوان «الإبداع والتمرد والمرأة»، تم ترجمة كتبى للغتين الأسبانية والكاتالانية، وتدريسها للطلاب حصلت على الجائزة الأدبية الأولى «بريمى كاتالونبا إنترناسيونال» يفخرون بها كما تفخر السويد بجائزة نوبل يقيمون لها احتفالا دوليا ، يلقى فيه رئيس كاتالونبا كلمة سمعته يقول: كل امرأة عظيمة وراءها رجل عظيم نهضت وقلت ربما وراء الرجل العظيم امرأة عظيمة لكن ليس هذا صحيحا بالنسبة للمرأة « وانفجر الحشد الكبير بالقاعة ضاحكين، وربما تمنى الرئيس سحب الجائزة منى ؟ بالأمس بعد أن ألقيت كلمتى فى العيد العالمى للمرأة تقدمت نحوى امرأة ممشوقة تصافحنى بحرارة وقالت كنت طالبة فى فصلك بالجامعة وأنا شابة واليوم أصبحت أديبة وشاعرة وقد جئت لأشكرك. قلت لها: أنا التى أشكرك فهذه هى جائزتى الحقيقية، الشمس ساطعة ومياه البحر تتألق تحت الأشعة الذهبية، وتمثال كولومبوس كما كان منتصبا يشير بإصبعه الى الجنوب الى مصر وإفريقيا وليس الى قارة أمريكا فى الشمال كنت أطل من نافذتى كل صباح على التمثال والشاطيء وأنا أشرب قهوتى وأعد نفسى لكتابة روايتى الجديدة التى نشرتها بعد عودتى لمصر، فى دار الهلال بعنوان «الرواية» قصة فتاة هاجرت من القاهرة الى برشلونة تجولت فى شوارعها كأنما هى متحف لا يخلو أى شارع من مبنى فنى تاريخى وأكبر كاتدرائية فى العالم تحمل إسم العائلة المقدسة قالت المرشدة الكاتالانية بفخر كبير ونحن نتجول فيها « بدا تصميم الكاتدرائية داخل رأس الفنان «أنتونى جاودي» فى بداية القرن العشرين، واستمر بناؤها بعد موته حتى اليوم سيتم البناء بعد تسع سنوات بعد الانتهاء من برج الجنة. سألتها بسعادة طفولية “ هل يمكننى دخول الجنة الآن ؟ قالت “الجنة مغلقة لأنها تحت التكوين, ولأن المرأة ليس لها مكان فى الجنة”، وضحكت المرشدة قائلة: “يا دكتورة نوال لك قصة بهذا العنوان قرأتها بالكاتالانية منذ أحد عشر عاما “واندهشت” ياه! » حداشر« سنة ؟ كانت تفهم شيئا من لغتنا الدارجة فقالت “ أيوه » حداشر« سنة.

واصلنا التجول والمرشدة تواصل الشرح: «كل الأبراج (غير برج الجنة) مفتوحة للزوار، وكان أنتونى جاودى شديد الإيمان بأن المسيح مات على الصليب ودفن بالقبر ثم بعث من جديد ، وقد شيد هذه الأبراج الثمانية عشر، لتجسيد حياة المسيح بداية من مولده مع أمه مريم العذراء وأبيه الأرضى يوسف النجار وكان الرب هو أبوه السماوي، الذى حماه خلال رحلة العائلة المقدسة الى مصر أرض النيل، وهذا الباب هو أحد الأبواب السبعة البرنزية الضخمة ، الذى يجسد كلمات المسيح فى صلواته باللغة الكاتالانية، ومنها عبارة «يا رب أعطنا خبزنا اليومى «منحوتة على الباب بخمسين لغة منها اللغة العربية، وكل زهور النيل ونباتاته وكائناته الحية محفورة داخل البرونز على الباب انظرى هذه السلحفاة تسبح فى النيل واسمها بالكاتالانية: تورتوجا.

لم يكن لى زيارة كل الأبراج وقد تجاوزت الثمانين من العمر بست سنوات، وكنت أيضا مدعوة لإلقاء كلمتى فى مؤتمر دولى آخر فى مكان على ساحل البحر الأبيض على الحدود بين كاتالونيا وفرنسا دار الحوار فى المؤتمر بينى وبين «لويس باسيت» محرر «إل بايس» أكبر الصحف اليومية الأسبانية، واختلفت معه فى بعض تصوراته عن النساء فى العالم العربى والإسلامي، ووقف الجمهور معى مؤيدا مصفقا، وقالت إحدى أستاذات جامعة أوتونوما: «الشعب الكاتالونى يتظاهر ضد السياسة العنصرية للحكومات الأوروبية وقد رفعنا شعار مرحبا بالمهاجرين «قدمت لى إدارة المؤتمر عددا من الكتب التاريخية عن المكان واسمه: «بالافروجيل» على ساحل برافا، ومن أهم معالمه التماثيل المصنوعة من لحاء الاشجار، وقلعة القمة الحمراء بحدائقها الخلابة على الهضبة المطلة على البحر أجمل مكان فى الوجود ربما يشبه الجنة تمددت على الشاطيء تحت الشمس الدافئة الحنون، وخيالى ممدود من كفر الشيخ على البحر الأحمر إلى ساحل كاتالونبا وفرنسا على البحر الأبيض من مكان يشطب وجودى الى مكان يكرمنى ويعتز بكلمتي.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة