تشوه صورة المرأة في الشعر العامي العراقي

وعد عباس
waad.abbas1994@gmail.com

2018 / 6 / 14

المرأة جزء فاعل ومكون أساسي في المجتمع البشري فهي الزوجة والأم والأخت للرجل. وهي جزء من كيانه الاجتماعي والنفسي، وليست فقط رقما ديموغرافيا (demographic)، مكملا بالنسبة له. وقد كرمها الله ورسوله في كثير من المواضع والدلائل الصريحة. وبالتالي فإن تعطيل دورها أو الحد منه يعد تعطيلا لجزء هام من المجتمع، فضلا عن أنه عصيان لأوامر الله ورسوله لها.
وقد عانت المرأة كثيرا في مجتمعاتنا الإسلامية، جراء التقاليد البالية التي لم يتم التخلص منها. بل ومما يزيد الأمر سوءا أن يتم إسباغ القدسية على هذه التقاليد من خلال مزجها سواء عن قصد أو جهل بالتفسيرات والتأويلات الدينية التي تنتقص من المرأة وتحط من قدرها ، ما ساهم في أن تبقى مجتمعاتنا الإسلامية متخلفة بل وعاجزة حتى عن مسايرة التقدم البشري في شتى مجالات التطور ومنها التكنولوجية والعلوم الصحية والاجتماعية وغيرها.
هذه الأمور قد أنتجت ما يمكن تسميته بـ"الظلم الاجتماعي" الواقع على المرأة. هذا النوع من الظلم الذي يقع على فئات اجتماعية معينة، يظن من يقوم به أنه على حق وان ذلك المظلوم إنما يستحق الظلم لان الله يريد له ذلك أو خلقه على هذا الحال، أو قد حط من قدره لان قيمته كذلك ... الخ . (الهاشمي ، 2007 : مقال)
باعتبار غالبية الشعراء العاميين هم من المتأثرين جدا بالتقاليد البدوية المتوارثة ، بل من المعتزين بها ، نراهم يحاولون عن قصد او دون قصد تثبيت النظرة البدوية إلى المرأة واشاعتها في المجتمع
فينسبون إليها كل الصفات السيئة التي يخجل الرجل أن تنسب إليه ، بل (يتحشم) ذلك الناسب إذا فعل ، فهي الخائنة ، وهي الماكرة ، والنذلة ، و (وأم الكَالات) والفتنة ، والمخادعة ، والكذابة ، وفاضحة الأسرار ، (وكَعت عكَل ناس بيه حظ) ويثبتون فيها صفة الضعف ، وان حيلتها البكاء فقط والجزع ، ولا تحسن فعل أي شيء ...:
كل الحجه بمكَفاي والعنده كَاله يكَعد وي النسوان ونكَله خاله
وأيضا :
اليذم بكَفه ربعه بي انوثة شواية الله اعله المره
فهذان الشاعران يصفان المرأة بأرذل الأخلاق (الغيبة) ، وكأن الرجال لا يغتابون وبالتالي يشبهون بالأنثى كل مغتاب ، ولهم بذلك قصد آخر ، وهو أن المرأة ضعيفة جبانة ، تخاف أن تتكلم عن احد بسوء بحضوره ، فتنتظر ذهابه لتذكر عيوبه أمام الناس ، أما الرجل فإنه من المفترض أن يواجه ، ولا يكون جبانا ، وفي هذا دعوة غير مباشرة للعنف.
وأيضا :
مو ضد المرة حجاية بخت تنكال أثـــــــــــــــــــق ببليس لكن ما أثق بيه اليـــــــدور ستر يتعوذ النــــــــــــــــــــــــسوان وأنا أول من حجاهه وراح اسويه إذا رادت تخونك لو تــــــحطه ببير طــــــــــــيحة شــــــــــاربك تكدر تسويه
وهنا ينسب الشاعر إلى المرأة رذيلتي المكر والخيانة ، ويفضل أن يثق بالشيطان على أن يثق بها .
وأيضا :
الشاعر المخواف لسليمة والبين ما يستحق لو مات لطم النساوين
يشعرك أن المرأة ضعيفة ولا دور لها في الدنيا سوى البكاء والنواح على الميت .
ولأن الشعر العامي متوافر بكثرة ، وبامكان الجميع الإطلاع عليه ، بل وفهمه بيسر ، فإني لا أريد ملأ هذا المقال بالأشعار العامية ، وبامكان القارئ الرجوع ومتابعة القصائد ، ليجد حجم الظلم الاجتماعي الملقى على المرأة ، الذي يحاول الشعر العامي تثبيته في افراد المجتمع .
أتذكر أن أحدهم يصور حالة احدى النساء العاشقات ، فيقول أن احدى الفتيات الريفيات عشقت شابا ، وذات يوم جاء ليراها وهي واقفة على "التنور" تخبز ، فوقف اخوها خلفها مصادفة ، فصار بينها وبينه ، فقالت :
يا دجة التنور ريتج مشوفه زيارة علي برمضان ولفي من اشوفه
وقد اختارت هذا الوصف (زيارة علي برمضان) لأن هذه الزيارة هي أعظم ما تعرفه تلك المرأة ، ما يكشف عن حجم حنين المرأة لرؤية حبيبها ، ورغم حجم الاشتياق لرؤيته كان خوفها من بطش أخيها أعظم وأكبر ، فمنعها ، ولك ان تقدر حجم الظلم .
وفي قصة أخرى توضح الظلم الاجتماعي لهذا الجنس البشري : زُوِجت احدى الفتيات غصبا ، لكنها بقيت تواصل حبيبها سرا ، وذات يوم اتفقت معه على ان يأتيها ليلا ، فزوجها غائب عن المنزل الليلة ، واتفقا على اشارة معينة بينهما ، فهو ينطق بصوت احد الحيوانات ، فإذا كانت عمتها (أم زوجها) مستيقظة ستحذره بطريقة ما ، أما إذا كانت نائمة فستخرج له وتدخله ، فعل الفتى ذلك ، فردت عليه :
نومته نومة ذيب روح لهلك روح مسكَمه بفولاذ كَطوه من أهد نوح
حتى في غزلهم بها فإنهم ينسبون الخيانة والمكر إلى الحبيبة ، ويعطونها دور الشخصية السادية الظالمة المخادعة ، وقد أشرتُ لذلك سلفاً .
نعم ، هناك قصائد رنانة كتبت بحق الأم ، لكن غزارة ما كتب في خيانة المرأة والصفات السيئة التي اشاعوها في المجتمع عنها ، لا يمكن أن تقوضها قصائد قليلة كتبت في الأم .
أنا لا أنكر أن هذه القصائد كتبت انطلاقا من الواقع ، وأن المرأة العراقية تمارس المكر والحيلة وبعض الصفات الذميمة ، لكن علينا ألا ننسى عدة أمور أهمها :
أ‌. أن الرجال لهم هذه الصفات بل أكثر ربما .
ب‌. للنساء صفات جميلة ، فلا يمكن ان تكون المرأة منجما لرذائل الاخلاق فقط ولا يوجد فيها خلق حسن ، لذلك ينبغي ان نمتدح تلك الصفات الجميلة ايضا ، كي نكون منصفين ، أو على الأقل نزيد ثقتهن بأنفسهن ونقلل من الظلم الاجتماعي الواقع عليهن .
ت‌. أن ما تفعله المرأة من مكر وغيره ، يمثل حيلة دفاعية لا شعورية ، نتج عن الظلم الكبير الذي تتعرض له .
ث‌. الشاعر لا يجب أن يكتفي بطرح الواقع كما هو ، فضلا عن المبالغة فيه ، بل بوضع المعالجات ، من خلال الدعوة إلى تشكيل سلوكيات مضادة ، كونه يملك أقوى أدوات التأثير .
أما الشعر الفصيح فليس جديدا عليه دفاعه عن حقوق المرأة والدعوة إلى تحررها ، فنسب لها أجمل الصفات ، بل بالغ في امتداحها ، وتكوين صورة جيدة عنها ، وهذا شيء يحسب لشعراء الفصحى ، لعل السبب يرجع لما يتمتع به شاعر الفصحى من ثقافة عالية ، فأقلهم قد اكمل دراسته الجامعية ، واطلع على عدد عظيم من الكتب ، واحتك بالثقافات الاخرى ، على عكس الشاعر العامي الذي غالبا ما يكون انسانا جاهلا ، تفكيره لا يتعدى حدود الزمكان الذي يعيش فيه ، كما ان الأخير لم يستطع خرق الزمكان المحيط به ، كونه لا يكلف نفسه الاطلاع على أي كتاب ، وبالتالي مهما احتك بالمجتمعات ، فهو لن يستفيد منها ابدا ، كونه متعصب لفكرة مجتمعه ، متمسك بها ، يراها مقدسة لا يأتيها الزلل ، وإن أعظم شيء يفعله للتأقلم هو أن يصنع شخصية ثانية تبدو حضارية ، فتحدث ازدواجية الشخصية .
ولعل من أقرب الشواهد ما نقله الجواهري عن نفسه ، إذ يقول ما مضمونه :
في احد ايام سنة 1969م كنت جالسا في مغناي المفضل (البيت السلوفاكي) عندما فوجئت بخبر منشور في احدى الصحف العراقي يتضمن قراراً أصدره الفريق (صالح مهدي عماش) يقضي بتطويل بدلات الطالبات الجامعيات بذريعة المحافظة على الاخلاق ، استكثرت ذلك على عماش الأديب والشاعر الرقيق ولم يكن بقربي إلا ورقة صغيرة لدفع الحساب ، أمسكتها وخططت عليها (المملحة) التي تعد من أجمل قصائدي واروعهن ، فطارحني عماش بقصيدة على وزنها ورويها بعد أن نُشرت قصيدتي في الصفحة الأولى من جريدة الاتحاد ، فأقنعني بما احتوته قصيدته من تبرير .
وفي الوسط الحوزوي نجد الشاعر الشيخ باقر الشبيبي نادى بتحرير المرأة قائلا :
كــــــيف تـــــــــــــــرجو نجاحها فئة كــــللتها البرود والسجفُ؟ مـــــــــــــــن وراء الحجاب نسوتها تـتــــهادى كــــــــــأنه تــــــــحفُ كـــــــــــــــــلما أبـــصرت على كثب ٍ شــــــــــــبـــــحاً للجديد ترتجفُ تـــــتحـــــــــرى اســـــــــــــــــتقلال أمتها اخــــــــــسأوا إن ذلك صلفُ كـــــــم حصان تروح ســـــــــــــــــافرة وبالحياء والعفاف تلتحف ُ وعلى العكس مومس خطرت وعـــــــــليها الدثار والقطف ُ
لكن بعض شعراء الفصحى بالغوا كثيرا ، فأصبحت المرأة في شعرهم آلة للجنس ، والاستعراضات ، وطالبوا لها بحقوق لا ينبغي أن تعطى حتى للرجل كونها تتسبب بإفساد المجتمع .



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة