عندما يخسر المرء أدلته. يؤمن بنظرية المؤامرة

نادية خلوف
nadia_khaloof@yahoo.com

2018 / 9 / 28

بدَتْ مكسورة ضعيفة مترددة مهزومة في جلسة الاستماع إلى شهادتها . إنها الأستاذة الجامعية كريستين بلاسي فورد التي قدمت شهادتها البارحة أمام مجلس الشيوخ حيث قالت:
أنا هنا اليوم ليس لأنني أريد أن أكون .أشعر بالرعب.
لكنني هنا لأنني أعتقد أن من واجبي المدني أن أخبركم بما حدث لي بينما كنّا أنا وبريتي كافانو في المدرسة الثانوية.
إنها ليست قصة اغتصاب فقط. بل قصّة الخوف من القتل، وقد أمضت سنواتها يلاحقها الرعب، وتخشى من الذكور إلى أن باحت لطبيبها النفسي ثم لزوجها ثم لأبيها بعد سنوات طويلة. صحيح أنها ذرفت دمعة، أو دمعتين، لكنها تماسكت، وقالت الحقيقة باختصار، بينما حقائق أخرى تظهر في صفحة القاضي برت كانفوه، وهو أنه سكير، ولم تكن حادثة الاعتداء الوحيدة في حياته، حيث ادعت أيضاً زميلته في الجامعة وأخرى حول نفس الموضوع.
بثت القنوات الغربية ، وبخاصة الأمريكية الشهادات بثاً مباشراً، وهذه أول مرة أحضر بثاً مباشراً عن قضيّة نسائيّة على تلفزيون السويد، ثم أكملته على الغارديان. وبينما كنت أتابع البث. كنت أرى هذا العدد الملون من الناس الذين وصلوا إلى مرتبة سيناتور. بينهم الأصفر، والأسود والأسمر، وبينهم الشّاب والمسن وهم يستجوبون المتّهم،أي يحكمون، وتبادر إلى ذهني فوراً أنّ أمريكا ليس فيها تمييز عنصري. فقط هويتها مالية. يمكنك تقلّد أيّ منصب شريطة أن لا تكون من القاع، وحتى القاع يمكن أن يحلم بالصعود، فليس هناك ما يمنعه. إنه الحلم الأمريكي
أردت أن أتأكد من تغطية القنوات العربيةز اكتفت بي بي سي بالإشارة إلى الحدث، بينم كتبت العربية ما يشبه الإشادة بكانفوه تحت عنوان:
كانفوه يتحدى اتهامات جنسية ، ويواصل ترشّحه للمحكمة العليا، وكان ذلك بعد أن غرّد ربّ العرب ترامب بأنه يدعم كانفوه، وأنه نفسه تعرض لتلك التهم الباطلة. نحن العرب عندما نؤمن بالرّب نسبّح بآياته على جميع الوسائل المكتوبة والمسموعة.
طبعاً السّوريون ليسوا معنيّون بالأمر. أعني من هم في الداخل، فلديهم من المآسي ما يفيض عن حاجتهم، لكن الأمر مهم، ومهم جداً عندما تبثه أغلب محطات العالم مباشرة. إنّه يتعلق بحقوق المرأة التي لم تمرّ على مسامعنا نحن النساء السّوريات، ولا زالت منتقصة في الغرب أيضاً، فاللواتي يدلين بشهادات حول وضعهن يتعرضن للعزل أحياناً.
عندما رأيت كانفوه يبكي وهو يقدم دفاعه المطول الذي ينكر فيه ماضيه وحاضره ، وأنّ الأستاذة فورد قامت بجريمة قتل ضدّه تمنيت لو أن كلّ إنسان مؤذ أن يقف أمام العالم باكياً. إنّها لحظة استعادة جزء من الحقّ. لن تمرّ الجلسة بسلام على كانفوه، فبينما كان يشرب كأس ماء كلّما وجه له سؤال. كانت زوجته تعلك العلكة بعد كل استراحة، وربما هي أول من صدّق الأمر، لكنّه الغرب، ففي الزواج ارتباط مالي. لا يمكن أن يحلّ خلال ثوان.
وأنا أتابعه وهو يصرخ مدافعاً عن إيمانه وشرفه. عرفت أنّ الذكورة هي عالميّة، وعندما قال: طلبت مني ابنتي أن أتوسل إلى كانفوه، فقلت لها أنّني لن أفعل ذلك أبداً. بالطبع . لن يفعل، فهي امرأة وأقلّ غنى منه، لكنه سوف يركع أمام ترامب كي يعينه قاض. ما نفع أن تكسب ودّ ترامب، وتخسر احترام أولادك؟ نعم لقد خسرهم. فالطفل يعرف الحقيقة، وهنا يخطر لي البعض من الآباء السّوريين الذين خانوا عوائلهم، وتخلوا حتى عن أولادهم، وهم كثر. أتمنى أن يصيبهم ما أصاب كانفوه، ويبكون حتى لو بينهم وبين انفسهم.
الجلسة لم تكن جلسة محاكمة. بل جلسة شهادة قد تمنع وصول كانفوه إل منصب القضاء الأعلى، وقد لا تمنعه حيث أن عدد الجمهوريين أكبر في مجلس الشيوخ، والأمر خاضع للتصويت، والسّياسة قد تكون الحكم. وهناك قصايا مشابهة تمكن المجرم فيها من الإفلات، لكن مجرد طرح القضية هو نوع من التّقدم. قد يكون استماعي ومشاهدتي البارحة للشهادتين قد أشبع فضولي، وهذه ربما من المرات القليلة في حياتي التي أنفعل فيها تجاه حدث. ليس انفعالاً غاضباً. بل كان عليّ أن أقرأ لغة الجسد، ولغة المال، ولغة النساء، وكان أمامي رجل ذكر من أولئك الذين كنت أخافهم منذ طفولتي.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة