الواقع السياسي والاقتصادي وتأثيره على الصحة النفسية للأفراد في العراق



نساء الانتفاضة
2024 / 11 / 7

اكثر من اربعة عقود عاشها مواطنو العراق في ظل حروب وصراعات دموية، وحصار دام ما يقرب من 13 عاما اضافة الى ما خلفته تلك الاوضاع من افقار وارتفاع نسب البطالة وتردي في تقديم الخدمات المختلفة، وتزايد حالات العنف الاسري والمجتمعي بشكل مضطرد، كل تلك الظروف انعكست على الافراد بصورة امراض نفسية وجسديةواخذت تبرز بشكل ملفت ومقلق. اذ وبحسب اخر التقارير والاحصائيات الدولية فان العراق يقع في ذيل قائمة الدول بالنسبة لمؤشر الصحة النفسية، وبحسب منظمة spine labs البحثية لعام 2022-2023 فقد صنفت العراق واحد من اكثر البلدان التي تشهد تراجعا مضطردا في صحة مواطنيها النفسية والعقلية, اما في مؤشر غالوب لأكثر الشعوب عرضة لتجارب سلبية خلفت اعاقات نفسية وذهنية جاء العراق ثالثاً بعد لبنان وأفغانستان.


🔴 الازمات النفسية وعلاقتها بالنظام السياسي

ترتبط الامراض النفسية ارتباطا وثيقا بطبيعة النظام السياسي الحاكم، اذ ان تجارب الحروب وتراكم الاحداث النفسية والعاطفية القاسية والكبت والحرمان وخيبة الآمال التي تعقدها الجماهير على امكانية تحسين اوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية اخذت بالتفاقم وتركت الالام قاسية في نفسية الاشخاص، كما ان النظام السياسي على شاكلة النظام في العراق، والذي تحكمه قوى اسلامية وقومية رجعية، فانه يعرض الصحة النفسية للنساء والاطفال ومختلف الشرائح الى التدهور، بسبب القوانين التي تضطهد هذه الشرائح، اضافة الى زج المجتمع في صراعاته الطائفية والقومية والتي تشكل عبئا ماديا ونفسيا على الافراد. كما ان هذا النظام والذي يسير باتجاه الخصخصة وتخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه المواطنين، يجعل منهم عرضة لمختلف انواع الاضطرابات التي سببها الواقعي هي الظروف المعيشية وليس أي شيء اخر.


🔴 المنظومة الصحية وتقديم الرعاية اللازمة

تشكل تكاليف تقديم الرعاية في المنظومة الصحية بالعراق عبئ على المواطنين وخصوصا الشرائح الفقيرة منه التي لا تقوى على دفع التكاليف المالية للذهاب الى الطبيب المختص وشراء العلاج اللازم. وبحسب بيانات وزارة التخطيط العراقية، فإن هناك أكثر من 11 مليون عراقي تحت خط الفقر، بالإضافة إلى وجود 6 ملايين طفل فاقد لاحد الابوين او كليهما، ومليوني امرأة بلا عمل او معيل كما وان المنظومة الصحية في البلاد تفتقر للأجهزة الحديثة وتعاني الاهمال وغياب الرقابة وقلة الكوادر الطبية وكذلك قلة الأدوية اللازمة للمرضى.

وبينما يوجد عالمياً من 9 إلى 40 طبيباً نفسياً لكل 100 ألف مواطن. تتضاءل هذه النسبة في العراق إلى أقل من 2 لكل 100 ألف شخص، ثلثهم من غير المتخصصين. بسبب الوصمة الاجتماعية التي تلاحق هذه المهنة وعدم الاهتمام بها من قبل وزارة الصحة. ففي العراق الذي يبلغ تعداده السكاني حوالي 43 مليون نسمة، لا يوجد سوى ثلاث مستشفيات متخصصة بالأمراض النفسية هي: الرشاد (بغداد)، وابنرشد (بغداد)، وسوز (السليمانية) جميعها تعاني الاهمال وضعف الامكانيات، وتقتصر الاجراءات الطبية فيها على صرف الادوية المهدئة والمنومة دون البحث في حلول مسببات المرض والظروف المادية والبيئية التي ادت لحدوث الامراض. كما ان هذه المستشفيات غالبا ما تعتمد سياسة حبس المريض فيها، ويعامل على انه انسان غير طبيعي ويجب عزله وتخليص المجتمع منه، فالمستشفيات في العراق باختصار عبارة عن منفى لا يعالج أي مريض مجرد مهدئات ومنوماتوحياة روتينية قاتلة وسجن أسواره عالية شائكة بلا هواء ولا شمس او حياة.

لا يتجاوز إنفاق العراق على الصحة النفسية للأفراد نسبة 2% منميزانية القطاع الصحي، الذي بدوره لا يتجاوز نسبة مخصصاته فيالموازنة حاجز 5% من الموازنة الثلاثية (2023-2024-2025) رغم ما تفعله الامراض والاضطرابات النفسية من شقاء وتعاسة وتعطيل لقدرة الانسان على ممارسة حياته، وما يؤثر ذلك ليس على المريض لوحدة انما على عائلته والمحطين به.


🔴 العادات والتقاليد ووصمة العار المجتمعية

يعاني من يصاب بأمراض نفسية في العراق الذي تحكمه طائفية وعشائرية رجعية، من عدم امكانيته الذهاب للمعالج النفسي او الطبيب المختص خوفا من نظرة المجتمع، ووصف من يذهب للعلاج مما يعانيه "بالمجنون". وتزداد الضغوط وصعوبة الاندماج في المجتمع من جديد على النساء اللواتي يعانين من تلك الامراض بشكل مضاعف وسط مجتمع رجعي يعمل على امتهانهن ويقدس الذكورية. فمن يعاني من تلك الامراض وسط بعض المجتمعات الرجعية. بدلا من ان يتلقىالمريض او المريضة الدعم العائلي والمحيط به، وتوفير الامكانية لزيارة المعالج النفسي والطبيب المختص، تذهب الكثير العوائل الى الدجالينورجال دين الذين ينشطون بشكل اكبر في المجتمع العراقي ويلقون دعما اكثر من الطبيب المتخصص بالعلاج النفسي، وتكرس السلطة المهيمنة تلك الظاهرة البدائية، بفتح قنوات فضائية تبث جلسات ليلاً مع نهار عن كيفية خروج "الجن بقراءة التعاويذ " مع ما يرافقها مناساليب الصراخ والشتائم والاهانات والبصق والتعذيب الذي يمارسه الدجالون على المرضى، عسى ان يخرج الشيطان المتلبس في داخلهم!. ولا يخفي على احد بان المحرك الاساسي لتوظيف رجالدين ومن على شاكلتهم هو النظام السياسي، ما يعزز من مكانة تلك الخرافات بدلا من محاربتها والحد منها خدمة لتحقيق اهداف محددة هي اخضاع المجتمع والسيطرة عليه.

🔴 الحاجة الى استراتيجية فعالة لأنهاء الوضع

ان انهاء هذا الوضع الكارثي بالنسبة للذين يعانون من الامراض النفسية والعقلية، يتعلق اولا باستراتيجية وسياسة توفر كل متطلبات الانسان للعيش برفاهية، وتوفير مختلف احتياجاته، اضافة الى توفير الحرية والمساواة للجميع نساء ورجالا، وهذا الامر غير قابل للتحقق دون الخلاص من النظام البرجوازي الاسلامي – القومي الحاكم في البلاد، واقامة الاشتراكية.


اسيل سامي