![]() |
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
![]() |
خيارات وادوات |
ملهم الملائكة
!--a>
2025 / 3 / 29
كل شيء في ألمانيا قائم على المنطق وقوانين المنطق، وبناء على فهم هذه البديهية الواضحة، طالما اعتبر المجتمع والسلطات أن المواخير توفر الجنس لغير المتزوجين، انطلاقاً من حقيقة أن العازب بحاجة إلى تفريغ طاقته الجنسية، وإذا لم توجد دور الدعارة والمواخير، فسسوف تتحول تجارة الجنس إلى الكواليس، وتقع في دائرة الممنوع المرغوب، ويزداد انتشارها بشكل غير قانوني خارج أعين السلطات، وفي المناطق المظلمة من المجتمع. وهذا يضر بالجميع، لذا تسامح المجتمع والسلطات إلى حد كبير مع بائعات الهوى، عبر القرون، ويمكن القول إن التطور الأكبر في التعامل مع البغاء، حصل حسب التسلسل التاريخي التالي:
*ابتداء من عام 1901، باتت الدعارة تعتبر فعلاً فاضحاً، بحكم القانون، حيث أصدرت محكمة الرايخ الإمبراطورية تفسيراً "يطابق تعريفاً منصفاً للعفة واللياقة يتفق عليه المفكرون "، وهكذا جرى اعتبار الدعارة في القانون المدني فعلاً فاضحاً، وصدرت بموجب التعريف قوانين تتعاطى مع هذا الواقع الجديد لأول مرة. وهكذا فإنّ عصر الحداثة، إذا اعتبرنا أن القرن العشرين هو مطلع عصر الحداثة، تخلى عن المنطق الألماني، وأسبغ على الدعارة صفة فعل غير قانوني. ثم صدرت تباعاً قوانين تمنع ممارسة الدعارة في الأماكن العامة، وفي المناطق التي يتردد عليها أبناء المجتمع بشكل كثيف ويومي، دون أن يحدد أماكن بديلة للعاملات بأقدم مهة في التاريخ! وشمل التحريم والمنع بائعات الهوى المنفردات اللواتي يعرضن أجسادهنّ على نواصي الشوارع. واعتبر القانون المدني آنذاك، أن الدعارة فعل مخل بالآداب العامة، وهي لذلك تفتقد صيغة الحماية التشريعية، ومعنى ذلك عملياً أن المومسات لن تشملهن اعانات العاطلين عن العمل التي تدفعها الرعاية الاجتماعية. وهذه خسارة ليس بوسع المومسات الفقيرات غير الماهرات تحملها.
*ابتداء من عام 1965 (في أوج الثورة الجنسية) باتت الدعارة تروج في ألمانيا في الأروقة السرية، لكن بشكل معلوم ومسكوت عنه شعباً وحكومة. وكان أثر التشريع الذي صدر مطلع القرن العشرين قد تفاقم، وحظر على العاملات في المواخير والنوادي الليلة ووكالات المواعدة الهاتفية أن يسجلن أنفسهن في وكالة العمل. وانسحب هذا الغموض، على الممولين وأصحاب المواخير والنوادي الليلة الذين كانوا يرغبون أن يبقى عملهم تحت مظلة قوانين العمل والحماية الحكومية، فباتوا يعانون من مشكلة كبيرة، حسب مارسيل فايغه في كتابه (معجم الدعارة "Marcel Feige im "Lexikon der Prostitution). لكنّ هذا التعقيد القانوني والغموض التشريعي لم يردع الزبائن، فلبثوا يبحثون عن اللذة، ما أجبر المواخير ووكالات المواعدة الهاتفية والنوادي الليلة على أن تعمل في الظل، الأمر الذي حرم الدولة من مصادر الدخل الضريبي، وولد لأجهزة الأمن والرقابة الصحية مشكلات وصعوبات جمة. وتحولت الحمامات الرومية التي تنتشر في المدن الألمانية إلى نوادٍ للعري وتجارة الجسد، وباتت زوايا المساج نصف المفتوحة فيها دكات غير مفروشة للمواقعة الجنسية المأجورة السريعة. وبمرور الوقت، وجد العاملات والعاملون في مهنة الدعارة سبلاً لتجنب القوانين، وعدم الوقوع تحت طائلة "الأفعال المخلة بالآداب الألمانية". المفارقة هي أنّ هذا كان يجري في ألمانيا في وقت كانت تجتاح فيه الثورة الجنسية بريطانيا وفرنسا وبلدان الأراضي المنخفضة وبلدان اسكندنافيا متزامنة مع وقائع الثورة الطلابية، وسيادة القيم اليسارية المتحررة وقيم الفلسفة الوجودية وثقافة اللانتماء، وتقاليد مستوطنات الهيبيز التي عبرت الأطلسي، وسادت الجامعات الأمريكية، ثم سادت المجتمع الأمريكي والكندي والاسترالي.
*ومع حلول الألفية الثالثة، وبدءاً من القرن والحادي والعشرين، وتحديداً، ابتداء من الأول من يناير/ كانون الثاني 2002 باتت الدعارة مهنة مشروعة تحميها قوانين العمل وقوانين حقوق الانسان في ألمانيا. وسبق ذلك منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين تحرك اجتماعي (خارج دائرة القوانين المدونة) صار يمكّن العاملات في قطاع الجنس أن يلجأن إلى أجهزة انفاذ القانون لاجبار الزبون الذي يستفيد من خدماتهن، على أن يدفع لهن اجورهن المتفق عليها. وبدأت المحاكم تنظر في الشكاوى الرسمية للعاملات في هذا القطاع باعتبارها حقاً قانونياً ناتجاً عن اتفاق بين البائع والمشتري يلزم الطرفين باستحقاقاته وفروضه. وهذا يعني أنّ المحاكم لم تعد تنظر إلى تجارة الجنس باعتبارها فعلاً منافياً للأخلاق. وظهر الناشطون في الدفاع عن حقوق الدعارة، وهي التسمية التي كانت تطلق على "محامي المومسات"، وتلك كانت الخطوة الأولى في ضمان حقوق العاملات والعاملين في هذه المهنة العريقة.
وانقاد الساسة إلى حكم الأمر الواقع، فأصدروا تشريعاً برلمانياً يدعى "قانون تنظيم الوضع الشرعي للدعارة"، ولكنّ ذلك لم يتم دون صعوبات، فمن أجل تنفيذه، عملت حكومة تحالف الحمر/ الخضر التي كان يقودها المستشار غيرهارد شرويدرعلى تقليص حجم القانون لتجنب الحاجة لموافقة الأغلبية الديمقراطية المسيحية في (المجلس الفيدرالي Bundesrat).
نظرياً، صارت الدعارة مهنة قانونية، وبات بوسع العاملات تسجيل أنفسهن لدى السلطات باعتبارهن عاملات مستقلات، ليحصلن على الضمان الاجتماعي والصحي، كما أن المومس لم تعد خاضعة لسلطة مشغلها (القواد أو السمسار بالتسمية العربية)، وصار بوسعها (قانونياً) أن ترفض بعض الزبائن في مكان عملها، وأن ترفض بعض الممارسات، وليس للمشغل أن يلزمها أو يجبرها على ترك العمل عنده.
سوف العمل بدوره، عدّل ظروفه وتنظيماته لتتسق مع التعديلات التشريعية والقانونية الجديدة، وهكذا ظهرت إلى الوجود "نوادي الساونا"، لتحل بالتدريج محل المواخير. ونوادي الساونا هي أندية كبيرة أنيقة مريحة مضيئة مفتوحة للجميع يدفع الزبون تعرفة لدخولها، وتغطي التعرفة قيمة الدخول، وقيمة ساحة وقوف السيارات، وثمن استئجار المناشف واحذية الاستحمام، وقيمة الدخول إلى المطعم الأنيق الكبير، والبوفيه المفتوح (أنواع المقبلات، أنواع الشطائر، أنواع من المكسرات، أنواع من الشوكولاته، أنواع من الفواكه)، وقيمة المشروبات الغازية والساخنة (القهوة، الشاي...)، والمياه الغازية والجعة (البيرة في ألمانيا أرخص من المياه المعدنية) التي يتناولها، علاوة على وجبة طعام رئيسية لمرة واحدة، إضافة الى استخدام قاعات الاستحمام وحمامات الساونا وغرف التعرّق بالبخار، وأحواض السباحة والجاكوزي وقاعات البليارد وكرة المنضدة وكرة القدم اليدوية، ومقاعد حمامات الشمس والحدائق المغلقة والمفتوحة، وقاعة التلفاز التي تعرض أفلام بورنو على مدار وقت العمل. ولا تشمل التعرفة المشروبات الكحولية، فعلى الزبون وعاملة الجنس دفع اقيامها بأنفسهم إلى البارمان فور طلبها.
بنفس الطريقة، تدفع المومسات نفس تعرفة الدخول إلى النوادي، ويتمتعن بنفس الخدمات، ويعرضن باعتبارهن زائرات للمكان، خدماتهن الجنسية للزبائن على شكل علاقات صداقة شخصية سريعة محسوبة الوقت، وعند الاتفاق مع أحد الزائرين على تقديم الخدمة بحساب الوقت (نصف ساعة، ساعة...) وعلى التعرفة، تذهب المومس إلى إدارة النادي، وتستأجر منهم غرفة مؤثثة، وتسجل الغرفة باسمها حسب الوقت المتفق عليه، ويستقطع الايجار (نظرياً) من استحقاقها الضريبي لصالح إدارة النادي. وهكذا لا تكون إدارة النادي عرّاباً للصفقة من الناحية القانونية، بل تجري الصفقة بين المومس وبين الزبون، ولكن تحت سقف النادي وبالاستفادة من تسهيلاته. من الناحية القانونية، عاملة الجنس هنا زبونة، حالها حال الزبون، ولهما نفس الحقوق حسب القانون وحسب الاتفاق بينهما.
كما توجد في النادي، مكائن الصرف الآلي والدفع المصرفي، ومكائن بيع السجائر، ومكائن بيع الواقي الذكري والمناشف الصحية النسوية، وكلها يتعامل معها الزبائن وعاملات الجنس بشكل شخصي خارج سلطة النادي.
هناك أيضاً فنادق تعرف ب (فنادق الاثارة Erotikhotel) وتعرض خدمات الجنس كخدمة إضافية مستقلة، يجري الاتفاق عليها بين ضيف الفندق، وبين السيدات الجالسات في قاعة ضيافة الفندق الكبرى، ودور الفندق ينحصر في اعارة الغرفة المغلقة لقضاء وقت الاتفاق بين الضيف و"صديقته" المؤقتة، على أن تدفع "الصديقة" أجر الغرفة حسب تعرفة معلومة بينهما.
علاوة على ذلك، هناك (مواقف السيارات للخدمة الجنسية Parkplatzsex)، وهي باركات سيارات، يدلف اليها الزبون بسيارته، يدفع تعرفة وقوف سيارته حسب قائمة الاسعار المعلنة طبقاً لمدة وقوف السيارة، ولدى انتخابه مكان الوقوف، تقترب منه عاملات الجنس ويعرضن عليه تقديم خدماتهن في سيارته لوقت متفق عليه وبسعر يتفق عليه معهن، ويتم اللقاء في السيارة، والباقي تفاصيل.
خارج كل هذه العروض، هناك النوع الأرخص من عاملات الجنس وهن اللواتي يعرضن أنفسهن للعمل على أرصفة الشوارع، في أماكن غير رسمية، ويمنعن قانونياً من عرض أجسامهن عارية، ويلتقين بالزبون، ويتفقن معه على السعر، ثم يتفقن معه على قيمة ايجار غرفة رخيصة يعرفنها في مكان ما، أو على أن يذهبن معه إلى محل سكنه لوقت محدد. هؤلاء العاملات يشكلنّ الحلقة الأضعف والأفقر في سوق العمالة الجنسية، وهنّ معرضات دائماً للاعتداء.
ومنذ تسعينيات القرن العشرين، تناقصت مساحة الإصابات بالأمراض الجنسية نتيجة استعمال الواقي الذكري، وتنعدم اليوم بشكل شبه تام الأمراض الجنسية في أوساط العاملات والعاملين في الخدمة الجنسية، بسبب أصرارهم على أن يستخدم الزبون الواقي الذكري، والحقيقة أنّه لا توجد خدمات جنسية دون واقٍ ذكري في ألمانيا وفي عموم أوروبا منذ حلول الألفية الثالثة، وهكذا اختفت الإصابات بالأمراض الزهرية وبمرض الأيدز في أوساط المومسات، وفي وسط المتحولين والمتحولات العاملين في هذا القطاع، كما في أوساط زبائن المهنة أيضاً.
*فصل من كتابي الجديد "المانيا كما عرفتها" قيد النشر
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|