-نساء غير مرئيات-: المرأة والنضال من أجل الاعتراف



بلال المزوغي
2025 / 4 / 4

يهتم هذا المقال بقضية المرأة باعتبارها من أهم القضايا المطروحة اليوم. فالبرغم من وجود عديد التشريعات والقوانين التي تضمن حقوقها، مازلت المرأة بتونس تصارع من أجل الاعتراف la lutte pour la reconnaissance، ويجدر الإشارة بأنّ الفيلسوف الألماني والباحث الاجتماعي اكسل هونيث من أهمّ المفكرين الذين بحثوا في مفهوم الاعتراف، حيث ناقش هونيث الأسس والنظريات الفلسفية للاعتراف بدءاً من هيغل وصولاً إلى جون بول سارتر. و قد حلّل دور البنى السياسية والأخلاقية والذاتية في الصراع من أجل الاعتراف وأشكال الانكسارات (الجور، سلب الحق، الإهانة،الاقصاء ، الاحتقار) ومدى انعكاسها على الهوية الفردية والجمعية.
هناك فرق شاسع بين ماهو موجود في القانون وما يمارس على أرض الواقع. فالهيمنة الذكورية La domination masculine وأشكال التمييز على أساس النوع الاجتماعي موجودة بمجتمعنا التونسي، فعديد النساء يتعرّضن إلى العنف المادّي واللفظي سواء في العمل، المنزل أو الشارع ...إلخ. وتشير الأرقام الرسمية التي نشرتها وزارة شؤون المرأة والأسرة إلى أنّها تلقّت أكثر من 6500 مكالمة حول العنف المسلط على النساء سنة 2017، وقد بلغ العنف اللفظي نسبة 87 بالمائة من مجموع المكالمات.
بالإضافة إلى ذلك، تعاني عديد النساء من العنف الرمزي " الذي لا يمارس بشكل مباشر، بل يكون في شكل سلطة غير مرئية تدفع إلى إقصاء المرأة دون علمهن وإلى إعادة إنتاج مجتمع "ذكوري" "متفوّق". ومن بينها نذكر تبجيل جنس الذكور في بعض الخطط الوظيفية، تعطيل بعض النساء من الوصول إلى المناصب القيادية ...إلخ. وقد ظهر هذا العنف بدرجة كبيرة خصوصًا في ظل تنامي خطاب "تقزيم " المرأة والقول بكونها لا تستطيع تحمل المسؤوليات الكبرى. وقد انعكس ذلك على ضعف تمثيليّتها في الأحزاب، النقابات وخاصة بالمناصب الوزارية. فمنذ 2011 لم تتقلّد النساء مناصب مناصفة للرجل بل أنّ وجودها ظل ومازال هامشيا.
تستمدّ جميع أشكال التمييز "مشروعيتها " من البيئة الاجتماعية والثقافية الموجودة بمجتمعنا. فالاختلاف بين الجنسين هو حقيقة بيولوجية، لكن تحديد المواقع الخاصة بالرجل أو المرأة داخل المجتمع يبنى اجتماعيا. وإذا مالا حظنا موقع المرأة التونسية فإنّها في مرحلة دونية مقارنة بالرجل وموصومة بعديد الأحكام الخاطئة. فلا أحد يشكّ في كونها تتعرّض يوميًّا للعديد من الانتهاكات والتجاوزات، والأكثر خطورة هو وجود تبريرات لمثل هذه التجاوزات ما يوحي بعدم استيعاب الكثيرين لمبدأ المساواة بين الجنسين.
المرأة "الحلقة الأضعف" في المجتمع.
ننطلق من مقولة الفيلسوفة و المناضلة النسوية سيمون دي بوفوار" المرأة لا تولد امرأة، إنّما تصبح كذلك". وهو إعلان عن أنّه لا توجد صورة محدّدة مسبقًا للمرأة. بل أنّ المجتمع هو الذي ينتج الفوارق بين كلا الجنسين. فالذهنيّات السائدة بمجتمعنا التونسي أغلبها تنتصر لفكرة "الرجل" ، وهي ليست مجرد فكرة بل ترتبط بمدونة ثقافية و لغوية ترى فيه مصدرا "للفحولة "، للقوّة و للحماية، في المقابل ارتبطت صورة المرأة بكونها "كائن ضعيف" و هش. إذ يقول "جول لافورغ" "لا تربطنا بالمرأة أبدًا رابطة الأخوّة، فقد جعلنا منها، بالخمول والفساد، كائنا منعزلا ليس له من سلاح سوى سحره الجنسي.
يوجد العديد من التشريعات و القوانين التي تحمي النساء و آخرها القانون عدد58 لسنة 2017 المتعلّق بالقضاء على العنف ضد المرأة، إلاّ أنّ ذلك لم يقطع نهائيًّا مع ظاهرة العنف، فعديد النساء-و خاصّة ممّن يعشن بالمناطق الريفية- يصمتن و لا يقدّمن شكوى ضد المعتدين و خاصة إذا كان المعتدي زوجها،
و يعود ذلك إلى أسباب عديدة، و من أبرزها سلطة الرقابة الأهلية التي تنصف عادة الرجال و تدعو النساء إلى الصمت والخضوع بمنطق "هنّي على روحك". فحالات العنف غير المعلنة تفوق بكثير الحالات المسجلة بمراكز إيواء النساء ضحايا العنف.
تعكس عديد الانتهاكات المسلّطة ضدّ النساء بأنّ هنالك اختلافًا جوهريا بين المنظومة التشريعية والممارسات الموجودة في الواقع. فالمساواة في القانون لا يؤدي بالضرورة إلى المساواة في الواقع. لذلك راهنت عديد الجمعيات والمنظمات الحقوقية على التدخّل وتحسيس المواطنين بضرورة احترام المرأة و نبذ كلّ أشكال العنف. وبذلك ظهرت عديد المبادرات على غرار حملة "كيفك كيفها"، حملة "يزي" وغير ذلك من التدخّلات التي شملت وسائل النقل العمومي، الأحياء الشعبية ، الأرياف ...إلخ.
التضامن النسوي في تونس : آلية جديدة للمقاومة
ظهرت بالسنوات الأخيرة عديد المبادرات المواطنية و الجمعياتية تنادي بالمساواة. و المميّز في كلّ هذه الحركات وجود ما يسمى "التضامن النسوي" La solidarité Féminine. فتشابه تجارب النساء في التعرّض إلى الظلم والقهر والتمييز في المجال الاقتصادي، السياسي و العائلي ساهم في توحيدهنّ ومقاومتهن الجماعية للبطريركية و السلطة الذكورية. وقد اعتمد هذا التضامن كآليّة للمقاومة وتشبيك النضال النسوي في كلّ أنحاء العالم.
وجدت بتونس عديد الحركات النضالية التي تعمل على الاعتراف بأدوار المرأة، ففي الفترات الأخيرة شهدت البلاد حراك نسوي مهم جدًّا خصوصًا بعد الجدل الذي أحدثه قانون المساواة في الميراث، والذي كشف "الوجه الذكوري" لعدد كبير من التونسيين والنّخبة أيضا. حيث حدثت "محاكمات" إعلامية وشيطنة غير مسبوقة لعدد من النساء. كما تمت مهاجمتهن بطريقة لا ترتقي إلى مستوى نضالاتهن من أجل وطن عادل. ولم يسلم من هذه الحملات الأموات والأحياء، إذ نذكر ما حدث يوم دفن المناضلة النسوية "لينا من مهنى" من تقييمات أخلاقوية و دينية توحي بكمّية الحقد على المرأة التونسية المناضلة، والموصومة لدى البعض بصفات "العهر و "الفساد الأخلاقي". والمُلفت للنظر في هذه الحركات النسوية هو وجود ما يمكن تسميته "رجال نسويين" hommes féministes ، اي انخراط عدد كبير من الذكور في الدفاع عن حقوق المرأة و المطالبة بالمساواة. وفي المقابل نجد "نساء ضد النسوية" Femmes anti-féminisme . و من المؤسف أن تصبح "المرأة عدوة المرأة". وهو ما يؤكد على أن قضية الحقوق و المساواة هي قضية إنسانية غير مرتبطة بأي انتماء بيولوجي (ذكر أو أنثى).
المراجع :

- التقرير الوطني حول مقاومة العنف ضد المرأة في تونس، منشوارت وزارة المرأة والأسرة الطفولة و كبار السن، 2019.
- بيار بورديو، العنف الرمزي ، ترجمة نظير جاهل، الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1994.
- سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، ترجمة ندى حداد، دار التشر الأهلية.

- Honneth Axel, La lutte pour la reconnaissance, Ed Cerf, 2000.
- Pierre Bourdieu , La domination masculine , Paris , Editions du Seuil,1998 Simone De Beauvoir , Le deuxième sexe ,Paris , Editions Gallimard, 1949
- Françoise Maliewski, « Les inégalités entre le femmes et les hommes », In Louis Chauvel et al, Les mutations de la société française , Paris , La Découverte , 2019
- Susan Judith Ship , Au-delà solidarité féminine , In Politique , N° 19 ,1991, P 05. Voir aussi le lien : https://www.erudit.org/fr/revues/po/1991-n19-po2524/040680ar.pdf.